الصفحة 47 من 105

قال ابن حجر في"الفتح" (3/361) شارحًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذًا إلى اليمن: (( فليكن أو ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك.. ) ): وقد تمسك به من قال أول واجب المعرفة كإمام الحرمين, واستدل بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من المأمورات على قصد الامتثال, ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الانزجار إلا بعد معرفة الآمر والناهي, واعترض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال وهو مقدمة الواجب فيجب فيكون أول واجب النظر, وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك؛ وتعقب بأن النظر ذو أجزاء يترتب بعضها على بعض فيكون أول واجب جزءًا من النظر, وهو محكي عن القاضي أبي بكر بن الطيب, وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أول واجب القصد إلى النظر (1) . وقد ذكرت في كتاب الإيمان من أعرض عن هذا من أصله, وتمسك بقوله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } [الروم:30] . وحديث: (( كل مولود يولد على الفطرة ) ). فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة , وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص لقوله عليه الصلاة والسلام: (( فأبواه يهودانه أو ينصرانه ) ).

وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا, وقال: إن المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة, وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه, وأنه لا يكفي التقليد في ذلك.

ونقل كذلك عن القرطبي صاحب"المفهم"كما في"الفتح" (13/363) : ولو لم يكن في الكلام إلا مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقًا بالذم:

أحدهما: قول بعضهم إن أول واجب الشك إذ هو اللازم عن وجوب النظر أو القصد إلى النظر.

(1) قد قرر ابن أبي العز الحنفي- رحمه الله - مذهب أهل السنة بقوله: ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على الخلق شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر ولا القصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت