فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 315

لسانك، وجوَّد بيانك، وفخَّم ألفاظك، وعمَّر صدرك، وحباك تعظيم الأقوام، ومنحك صداقة الملوك، يطيعك في الليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم يدع طاعتك، وإن هبَّت عليك ريحُ أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقًا به، ومتصلًا منه بأدنى حبل لم يضرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم وأصحاب الكفاية ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبدًا في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام.

ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك ونظرك إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر، وملابسة صغار الناس، وحضور ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأحوالهم الردية وطرائقهم المذمومة، وأفعالهم الخبيثة القبيحة، لكان في ذلك السلامة، ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع.

ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد

الراحة وعن اللعب وكل ما أشبه، لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنَّة، وهو الذي يزيد في العقل ويشحذه ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه، ويفيد العلم، ويصادق بينك وبين الحجة، ويقودك للأخذ بالثقة، يعمر الحال، ويكسب المال، وهو منبهة للمورث، وكنز عند الوارث؛ غير أنه كنز لا زكاة فيه، ولا حق للسلطان يُخرج منه، هو كالضيعة التي لا تحتاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت