....إن المعرفة حينما تنقل في الثقافة الشفاهية تحتاج إلى مقوم آخر، كي تخلع على المتحدث سمة الوقار، أو قل كي تقتل القلق الذي يستكنفه، ربما يستخدمها كي يشعر بأنه يعيش الحقيقة ويستطيع استرجاع وقائعه، جاء في العينة السابقة التالي:"ويملأ الفضاء بأصواته، تارة كان يتقعر، وفي يده عصا"، علاوة على أن ناقل المعرفة في الثقافة الشفاهية يستخدم لغة جسده كثيرًا، فيستعين بسيمائه من أجل نقل المعرفة، فإن تحدث عن موقف حزين ارتسمت على وجهه ملامح الحزن كي يقنع المستقبل بالذي يسرده، يقول النفّري:"سيماء كلّ وجه فيما أقبل عليه".
....ثم يحتاج الكتاب الصوتي لصمت مطبق من قبل السامع كي يتحقق، فالضجيج ضد تحقق كتاب الصوت، جاء في العينة السابقة، التالي:"كان ناطقًا وكانوا صامتين"، وأيضا يقول النفّري في ذلك:"لا تصح المحادثة إلا بين ناطق وصامت"وبقليل من التحوير نقول: لا يقوم كتاب الصمت إلا بين ناطق وصامت. ولأجل ذلك قلنا إن الكتاب الصوتي إنساني لأنه مع التواصل والأخذ والعطاء، فالصوت إنساني لأنه موحد لذلك قيل:"البصرُ يفرق والصوتُ يجمع"، فالصوت حاسة موحدة والبصر حاسة محللة، لذلك في الكتاب الصوتي نشهد هيمنة السمع على البصر.
....ثم أن الكتاب الصوتي يقدّس الأجداد، ويجعل لهم شأنا كبيرا، لأنهم قد اختزنوا الخبرة، فصدى الصوت قابع في داخلهم، صحيح أن المتحلّقين حول المسنّ الذي إبيضّ شعر رأسه، لديهم خبرة ما، لكنها مهما تكن لن تعادل خبرة الرجل الكبير الذي جرّب من الأمور أكثرها، ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا المجتمعات الصوتية تجعل للقديم شأنا كبيرا، جاء في العينة:"وهو أكبرهم سنا، قد بيّض رأسه الشيب"، أي أنهم لا يقدمون لنقل المعرفة سوى الكبير.