وتبعا لأبحاث النقاد والدارسين المهتمين بالنقد القديم ، والذين نقبوا عن أول أثر نقدي مدوّن يفصح عن رأي صاحبه في الشعر والشعراء، ويعتمد على أسس محددة وواضحة، فإن أول أثر وصل إلينا من هذا النوع،هو كتاب"فحولة الشعراء"للأصمعي،غير أنه لم يقُم بتدوينه بنفسه ، وإنما تكلف ذلك تلميذه أبو حاتم السجستاني (_ت231هـ) إذ عمد إلى تدوين أجوبة شيخه على أسئلته أو أسئلة غيره من تلامذته ومريديه حول آرائه في بعض الشعراء.
وقد أقام الأصمعي معظم أحكامه على أساس مبدأ نقدي ثابت ومحدد وهو مبدأ الفحولة إذ اتخذ منه معيارا نقديا للموازنة بين الشعراء وتفضيل بعضهم على بعض ،من خلال النظر في أشعارهم ومدى استيفائها لمجمل خصائصه وأركانه، وقد ابرز كذلك أهم خصائص منهجه النقدي في أحد ردوده على تلميذه أبي حاتم السجستاني إذ سأله: فما معنى الفحل ؟ قال:إن له مزية على غيره كمزية الفحل على الحِِقاق ، قال وبيت جرير يدلك على هذا:
وابنُ اللبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ لم يستَطِع صولَة البُزلِ القناعيسِ
ابن اللبون: ولد الناقة
لُزَّ: شُد
القرن: الحبل المفتول
البزل جمع بازل: وهو البعير إذا بلغ التاسعة
القناعيس: الشداد الأقوياء
واذا ما تأملنا البيت أدركنا أن مفهوم الفحل في ذهن الأصمعي ،عبد الملك بن قريب الباهلي (ت_216هـ) ،مرتبط بقدم العهد فابن اللَّبون من الشعراء ليس كَالبَازل في قوته وقدرته الشعرية أسلوبا ونسجا وجودة.ولما كان قدم العهد في الشعر شرطا من شروط الفحولة نجده يسكت عن تقديم الثلاثة الإسلاميين جرير والفرزدق والأخطل ، ويقول: هؤلاء لو كانوا في الجاهلية كان لهم شأن ، ولا أقول فيهم شيئا لأنهم إسلاميون ،ويبدي إعجابه الشديد بالأخطل خاصة ، فيقول بعد سماع إحدى قصائده: مَن قال لك إن في الدنيا أحدًا قال مثلَها قبله ولا بعده فلا تصدقه ، دون أن يعترف بفحولته لحداثة عهده.