فقالوا: هاتان سِمطا الدهر [1] ، وإذا كانت الفحوليَّة تمثّل ذروة المثالثة الفنية لديهم ، لما تتميّز به من توازن بين الطبع والصنعة، فإن غَلَبَة الصنعة على الطبع تمثّل حالة من الجودة أقلّ مستوى من الفحوليّة.. وقد كان لقب المحبّر، الذي أُطلق على طُفيل الغنوي ، ت. نحو 610هـ يشير إلى هذه الخاصية ، خاصية أن الصنعة لديه قد غلبت على الطبع. ذلك أن طُفيلًا كان أوصف العرب للخيل، وكان يسمى طُفيل الخيل لكثرة وصفه إيّاها، والمحبّر لحُسْن وصفه لها [2] ، وهناك من عمّم نعت التحبير على شعر طُفيل، فذهب إلى أنه سمي محبّرًا لتحسينه شعره، كما في فحولة الشعراء ، أدب الكُتّاب [3] ، لأن التحبير إضافة إلى إيحائه بالحبر والكتابة عملية صناعية نظيرة للنسج، والتأليف، والصياغة، والبناء، والوشي، وما أشبه ذلك، ممّا يوجب اعتبار الأجزاء بعضها من بعض، حتى يكون لوضع كلّ حيث وُضع علّة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وُضع في مكان غيره لم يصلح ، على حد وصف عبدالقاهر الجرجاني [4] ، ولا غرو، فقد كان المحبّر أحد أساتذة زهير بن أبي سُلمى رأس مدرسة الصنعة، الني لُقّب أصحابها بعبيد الشعر لكثرة ما يُعملون فيه التنقيح والتثقيف والتحكيك, ولا يذهبون به مذهب المطبوعين. ومع هذا فإن الصنعة لم تنزع عن المحبّر صفة الفحولة، التي يضفيها عليه الأصمعي، كما لم تنزع الصنعة صفة الفحولة عن زهير.
(1) الأغاني21/ 201
(2) خزانة الأدب9/47
(3) أدب الكتاب ـ الصولي
(4) في دلائل الإعجاز