المنفعة الرابعة: إنها لو خلقت عظمًا واحدًا لم يكن فيه فرج يتخللها عضل الصدر المعينة في آلات التنفس وما يتصل به كالصوت وبيان ذلك أن التنفس قد دللنا فيما سلف على وجه الاضطرار إليه وهو إنما يتم بحركة الرئة والحجاب انبساطًا وانقباضًا لينجذب الهواء عند الانبساط لاستحالة الخلاء ويندفع فضول الروح وما يسخن من ذلك الهواء .
فبطلت فائدته عند الانقباض وحركة الانقباض والانبساط .
قد بينا أنها لا تكون طبيعية بل ولا بد وأن تكون إرادية وكل حركة إرادية فقد بينا فيما سلف من شرحنا للكتاب الأول أنها إما أن تكون عن إرادة طبيعية أو عن إرادة خفية . أو عن إرادة مطلقة وقد بينا أن حركة التنفس هي عن إرادة خفية .
وكلما كان كذلك فإنما يكون بالعضل وكذلك كل ما يكون عن إرادة مطلقة فإذًا لا بد وأن تكون هذه الحركة بعضل ولأن هذا العضو الذي هو الصدر وما يتصل به عضو عظيم جدًا لا يمكن تحريكه بعضل قليل المقدار قليل العدد فلا بد من عضلات كثيرة فلو جعل الصدر من عظم واحد أو من عظام يتصل بعضها ببعض كالحال في عظام الرأس لكانت هذه العضلات إما أن تكون من داخله فتضيق على القلب والرئة إلا أن يكون ذلك العظم أو العظام كثيرة جدًا فيكون الصدر عظيمًا جدًا ثقيلًا أو يكون من خارجه فيلزم أن يكون الصدر أعظم مما هو عليه الآن بكثير فلم يبق إلا أن يكون من عظام كثيرة متفرقة لتكون هذه العضلات أماكن ينخلق فيها من غير أن يلزم ذلك زيادة في عضل الصدر ولا كذلك الحال في الرأس فإنه لم يحتج فيه إلى هذه العضلات فلذلك خلق جميع محيط من العظام وخاصة وهو عضو شديد اللين شديد التضرر بما يلاقيه .
فلو جعل في محيطه خلل وهو غائب عن حراسة الحواس لأمكن أن ينفذ فيه ما يفسد الدماغ ويؤدي إلى الهلاك البتة .