... إنّ حياة الفراء الأولى حياة إنسان لم يحفل بها التاريخ ؛ لأن أسرته لم تكن ذات شأن في علم أو سياسة ، شأن كثير من الأسر التي لم تذكر عنها كتب التاريخ شيئا 0
... وكما علمنا فقد ولد الفراء في الكوفة سنة أربع وأربعين ومئة من الهجرة ، ويبدو أن حياته الأولى كانت بها ، وظل بها حتى ظهرت عليه ملامح النبوغ ، يدلنا على ذلك أن شيوخه ـ كما سيأتي ـ في بواكير حياته ، كانوا من أهل الكوفة ، وكانت الكوفة أحد المصرين اللذين كانا مقر العلم ، ومربى العلماء ، والمصر الآخر البصرة ، وكانت الكوفة حافلة بالشيوخ في فروع العلم والمعرفة في ذلك العصر ، ثم رحل الفراء إلى بغداد ، حيث كانت حاضرة الإسلام ، ومقر الخلافة ، يفد إليها العلماء من كل حدب وصوب ، طلبا للشهرة والحظوة والمال ، وجعل أكثر مقامه فيها ، وكان شديد طلب المعاش ، لا يستريح في بيته ، وكان يجمع طوال السنة ، فإذا كان في آخرها خرج إلى الكوفة ، فقسم ما جمعه [1] 0
... كما كان الفراء يعيش في بغداد حياة تقشف ، لا يهتم ببيته وفرشه ، ولم يكن يرى إلاّ عابس الوجه [2] 0
... لقد نزح الفراء إلى بغداد حين استحثه الرؤاسي قائلًا له [3] : قد خرج الكسائي إلى بغداد وأنت أميز منه ، ويبدو أن هذه الرحلة كانت في سنة سبعين ومئة من الهجرة ، بدليل أن الفراء قد ظهر في المناظرة المشهورة بين سيبويه والكسائي ، وكانت له جولات مع سيبويه قبل حضور الكسائي [4] ، وكانت هذه المناظرة في حدود هذا التاريخ ، وفي خلافة
ـ 35 ـ
(1) بغية الوعاة 2/333 ، مفتاح السعادة 1/179
(2) معجم الأدباء 31/9 ـ 10
(3) الفهرست ، ص 96 ، نزهة الألباء ، ص 95
(4) طبقات النحويين واللغويين ، ص 72