... على أن العلماء أحسوا أن المجال غير مفتوح أمامهم إلى الأمراء والخلفاء دائما ، وأن وصول أحدهم إلى ذلك يعني ذود الآخرين عنه ، فكان اعتمادهم في معاشهم على ما ينالون من أجر على التدريس من طلابهم ، وكان هذا النوع من العطاء موردا مهما من موارد عيش علماء العربية ، ولكي يضمن العالم مورد رزقه كان عليه أن يستجلب له الطلاب والدارسين ، وخير وسيلة لذلك الإغماض في كتبه ، والإبهام في أسلوبه [1] 0
... على أن هذا العصر الذي حمّل النحاة وعلماء العربية عنتا من أمر معيشتهم ، كان سخيًا عليهم بالمواد الأولى في اللغة ، فقد وضع بين أيديهم نصا عربيا فصيحا لا غلط فيه ، هو القرآن الكريم ، وبادية كانت ما تزال في مبعدة عن اللحن ، بحيث كان على من يريد اللغة وقواعدها أن يجوس خلالها ، وقبائل تحيط بمواقع الدراسة حول البصرة وحول الكوفة
ـ 20 ـ
ورواة شعر وشواهد ينقلون أشعار القبائل ويروونها ، وقراء يتقنون القراءة موصولة الإسناد 0
... ويجدر القول إن حاجة العلماء إلى الخلفاء والأمراء كانت كحاجة هؤلاء إلى العلماء ؛ لتأديب أولادهم 0
... وعلى الرغم من كل مظاهر الاستبداد ، فقد كان هذا العصر عصرا مجيدا من حيث حرية الرأي العلمية إلى حد كبير ، وقد كانت خلافة المتوكل خاتمة لعصر حافل بالآراء ، وفاتحة لعصر آخر قُيدت فيه الآراء والأفكار إلى حد بعيد ، وفتحت فيه السلطة للمحافظين من الفقهاء والمحدثين [2] 0
ـ 21 ـ
الفصل الثاني: الفراء في عصره:
أ ـ اسمه ولقبه وكنيته:
... إنّ الروايات التي تتحدث عن نسب الفراء تتفق حينا ، وتختلف أحيانا ، لذا رأينا أن نقسم هذه الروايات على مجموعات منتهجين في ذلك المنهج التاريخي:
الرواية ... الأولى: يحيى بن زياد ، وقد قال بها كل من:
... ... ـ ابن قتيبة ت 286 هـ (المعارف) 0
... ... ـ أبو الطيب اللغوي ت 351 هـ (مراتب النحويين) 0
(1) منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية ، ص 16
(2) ضحى الإسلام 2/ 48