الصفحة 15 من 266

... وبينما كانت علوم اللغة أحوج ما تكون إلى التسليم والتقليد ، فإننا نجدها قد ابتليت بداء المنطق ، وبيان العلة والبرهان ، مما أدّى إلى حرفها عن منهجها اللاحب ، منهج الوصف والتقبل ، في هذا العصر الزاخر امتدت حياة صاحبنا الفراء 0

ـ 19 ـ

... وكانت حلقات التدريس في هذا العصر تعقد في المساجد ، إذ لم يكن الناس قد اتخذوا المدارس بعد ، فحلقة الخليل ويونس كانت في مسجد البصرة [1] ، وكانت مجالس المناظرة تعقد في البيوت ، وفي قصور الخلفاء ، وبيوت الأمراء ، وكانت حلقات الدرس غير بريئة من روح التمايز الاجتماعي والقبلي ، فقد روى ابن النديم [2] في ترجمة ابن السكيت إنه لمّا مات الكسائي ، اجتمع أصحاب الفراء ، وسألوه الجلوس لهم ، وقالوا: أنت أعلمنا ، فأبى أن يفعل ، فألحوا عليه في ذلك بالمسألة ، فأجابهم ، واحتاج أن يعرف أنسابهم ، ليرتب كل رجل منهم على قدر مجلسه ، وكان ممن سأله عن نسبه السكيت ، فقال: ما نسبك ؟ فقال: خوزي ـ أصلحك الله ـ من قرى دورق من كور الأهواز ، فبقي الفراء أربعين يوما في بيته لا يظهر لأحد من أصحابه ، فسئل عن ذلك ، فقال: سبحان الله ! استحي من السكيت ؛ لأني سألته عن نسبه ، فصدقني عن ذلك ، وفيه بعض القبح 0

... وكان أهل العلم يختلفون في أقدارهم وحظوظهم ، فمنهم من دعته الدواعي إلى التعفف ، ومنهم من كان يريد الوصول إلى الثروة والجاه ، فلا يسعده الحظ ، ومنهم من كان يصل إلى شيء مما أراد ، ومنهم من أعانه حظه على الوصول إلى ما أراد من الحظوة لدى الخلفاء والأمراء كصاحبنا الفراء 0

(1) عبد الأمير الورد ، منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية ، ص 14

(2) الفهرست ، ص 107 ـ 108

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت