ـ عصر الفراء ـ التأليف ، وكان للترجمة شأن عظيم ، وحسبك منها ما كان من حنين بن إسحاق حينما كان يأخذ من المأمون ذهبا بوزن كل كتاب ينجز ترجمته0
ـ 18 ـ
إنّ هذا العصر يختلف عن سابقه ، حيث كان العصر الأموي أشبه ما يكون بامتداد للعصر الإسلامي من حيث اقتصاره على الثقافة العربية الإسلامية البحتة ، إذا استثنينا أواخر العهد 0
... وهكذا اشتهرت العلوم الدنيوية ، وترجمت الفلسفة اليونانية ، وقدم المأمون للثقافة الإسلامية خدمة جُلّى خلال العشرين السنة من مقامه في بغداد ، عن طريق اهتمامه الشخصي بعلوم اليونان [1] 0
... ويقول ديبور [2] : وجدت في بغداد في عصر الرشيد دار للكتب ، ومعهد للعلماء ، وفي عصر المأمون ومن بعده نشطت حركة نقل الكتب اليونانية من طريق السريانية في الغالب إلى لغة العرب ، وقد ألفت مختصرات للكتب اليونانية وشروح لها 0
... من أجل كل ذلك كان هذا العصر عصر تفتح علمي وفكري ، فقد ذرّ قرن الاعتزال ، وساد بهذا منطق العلم والجدل ، وكان ذلك مدعاة لاشتداد أسر المنطق ، وسيطرته على عقول أهل هذا العصر ، وكان الصراع الفكري بين دعاوة الاعتزال وغيرها صراعا شديدا ، فقد استطاع الاعتزال أن يطبع الخلافة بطابعه زمنا ، حتى بلغ ذروته في عهد المأمون في المحنة المشهورة التي عانى فيها مخالفو الاعتزال ما عانوه من ظلم واضطهاد مقيتين ، كان داعية ردة في زمن المتوكل ، الذي لمّا أفضت الخلافة إليه أمر بترك النظر ، والمباحثة في الجدل ، والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق والمأمون ، وأمر الناس بالتسليم والتقليد ، وأمر شيوخ المحدثين بالتحديث [3] 0
... وإذا كان التسليم والتقليد تسليما وتقليدا ، وليس مناقشة وإقناعا ، فقد عُدًّ المنطق وهو سلاح المناقشة زندقة ، وجاء القول القائل: من تمنطق فقد تزندق 0
(1) كارل بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلامية 2/38
(2) تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ص 9 ـ 10
(3) مروج الذهب 4/86