... هذا فضلًا عن تغير الحياة الاجتماعية ، والعوامل الشخصية ، وتشجيع الخلفاء ، يضاف إلى ذلك أنّ الأمة الإسلامية قد مرت بطور المسائل الجزئية المبعثرة ، فكان لزاما أن يسلمها ذلك بالضرورة ألى طور آخر هو طور التنظيم ، وتدوين العلوم وتمييزها [1] 0
... وإذا كان لنا أن نسجل سببا أساسيا في رقي الحركة العلمية ، فلا نغفل حرية الرأي في هذا العصر ، ويتضح هذا الأمر في هجاء الشعراء للخلفاء ، دون أن تكون الرهبة من الخلفاء ببالهم ، فقد كانت حرية الرأي شائعة في القضايا العلمية والدينية والاجتماعية والأدبية ، أمّا في القضايا السياسية التي تمس الحكام مباشرة فلم تكن مطلقة ، ولم تكن كذلك في بعض الأمور الدينية ، فهذا الطبري يروي في تاريخه أراء وأخبارا لا ترضي الخلفاء العباسيين ، وكذلك فعل الأشعري في مقالات الإسلاميين ، والشهرستاني في الملل والنحل ، والبغدادي في الفرق بين الفرق ، فنرى مذاهب وأقوالا في منتهى الحرية ، من أخذ عن الفلاسفة اليونان ومزجها بالإسلام ، ثم لا يتعرض لهم أحد ، ولا يعني ذلك أن حرية الرأي كانت مطلقة ، بل ربما رأينا نقيض ذلك في بعض الأمور التي لو قصر الناظر نظره إليها لصرح بأن حرية الرأي في ذلك العصر لم يكن لها وجود ، من ذلك أننا قلّما رأينا وزيرا في العصر العباسي مات حتف أنفه ، بل كانت الاغتيالات السياسية معروفة ، كما أننا نلاحظ أن خلفاء بني العباس قد أهانوا كثيرا من العلماء وعذبوهم كأبي حنيفة ومالك ؛ لأنهما رفضا ولاية القضاء ، وسفيان الثوري لرفضه قضاء الكوفة 00 وغيرهم [2] 0
... لقد فتح العباسيون النوافذ للثقافات العالمية من فارسة ويونانية وهندية وسريانية وغيرها من ألوان الثقافة المعاصرة ، ونتيجة التفاعل الثقافي فقد ارتقى في هذا العصر ،
(1) ضحى الإسلام 2/19
(2) م 0 ن 2/37 ـ42