... وهكذا خطت الأمة الإسلامية ـ في هذا العصر ـ خطوة جديدة في حياتها العقلية ، وحركتها العلمية ، وكان هذا نتيجة لكل ما أحاط بها من بيئة طبيعية واجتماعية [1] 0
... لقد كان نشاط المسلمين العلمي يسترعي الأنظار ، وليس هناك من نشاط يشبهه إلاّ نشاط العرب في فتوح البلدان ، فقد نظم العلماء أنفسهم فرقا كفرق الجيش ، كل فرقة تغزو الجهل أو الفوضى في ناحيتها ، حتى تخضعها لنظامها ، فهذه للغة ، وتلك للحديث ، وثالثة للنحو ، ورابعة للكلام ، وخامسة للرياضيات 000 وهكذا ، وهم يتسابقون في التحصيل والتدوين والتنظيم [2] 0
... ولا شك في أن تطور العقل تابع للتطور الاقتصادي والاجتماعي ، والمتطلع على تاريخ هذه الحقبة لا يعدم الأسباب المؤدية إلى تنشيط الحركة العلمية فيها ، فانتقال الخلفاء إلى العراق ، والعراق أوفر حضارة من غيره من البلاد ، ومن قديم كانت العراق تفخر على الشام بعلومها ، حتى في العهد الأموي ، كما أن الغلبة في العصر العباسي أصبحت للفرس الذين قطعوا المراحل الأولى في العلم ، وكادوا يصلون إلى آخرها ، وكذلك النساطرة وأمثالهم ، فلمّا أعطوا الحرية اللازمة نهضوا للعلم ، وقادوا حركته 0
ـ 17 ـ
... أضف إلى ذلك مرور أكثر من قرن على ظهور الإسلام وانتشاره ، وفتوح البلدان ، وحكمها بيد العرب ، كل هذا مكّن من ظهور جيل من أبناء الفرس والروم وغيرهم ، نشأ في بلاد إسلامية ، وأصبح مسلما ، وصار يجيد العربية كأهلها ، وجمع إلى ذلك ثقافته الأصلية ، فأنشأ بالعربية ما كان يكتبه آباؤه بالفارسية أو اليونانية ، ودوّن في العلوم العربية ، على النحو الذي كانت تدوّن به العلوم في اللغات الأخرى 0
(1) أحمد أمين ، ضحى الإسلام 2 / 1
(2) م 0 ن 2/19