وكان الخلفاء يتصفون بالكرم ، واصطبغت الدولة بالصبغة الأجنبية ، وبخاصة الفارسية ، بما فيها من ترف وسرف وزينة ومباهج واستمتاع بالحياة ، على النحو الذي كان ينتحيه أبناء الفرس ، حتى لقد بلغت نفقة المأمون في اليوم ستة آلاف دينار ، كان ينفق منها مبلغا كبيرا على مطابخه [1] 0
وتغيرت تقاليد الزواج والمصاهرة عن ذي قبل ، وترفع المجتمع العباسي عن النظرة الجاهلية التي لا تجيز مصاهرة غير العرب ، فامتزج الدم العربي بالفارسي وغيره 0
أمّا الناحية الخلقية فكانت مزيجا من الفساد والصلاح ، والهدى والضلال ، والإلحاد والزندقة ، والزهد والورع النادر كما نرى عند إبراهيم بن أدهم ت 161 هـ ، ورابعة العدوية ت 185 هـ ، ومعروف الكرخي ت 200 هـ ، إلى جانب المجون الفاجر كما نرى عند أبي نواس وأستاذه والبة بن الحباب ، في هذه البيئات ، ولد الفراء ومات 0
ـ 16 ـ
ج ـ الحياة الثقافية:
... العصر الذهبي للأمة العربية ، عصر هارون والمأمون ، والعلوم والفنون والآداب يومئذ تزخر بها معاهد البصرة والكوفة وبغداد وقرطبة ، وسائر عواصم الإسلام 0
... كان المعين فيّاضا مترعا ، والعقول في نشاط وفورة ، والتأليف والترجمة لها دوي النحل في كل صقع ، الدين يدعو إلى العلم والنور ، والمال يجود به أهل الفضل ، فيذكي العزائم ، والعلوم ولود ، وصاحبها كلما ارتوى منها عادت به في سبيل الظمأ وحيثما شبع منها رجعت به في سبيل الجوع [2] 0
... وصارت الكوفة والبصرة مركزين نشطين للحياة العلمية ، إذ فيهما وضعت علوم العقائد والفقه ، ثم نشأت في كل منهما مدرسة للنحو واللغة ، فكانت مجادلات ومنافسات بين البصريين والكوفيين [3] 0
(1) الفخري في الآداب السلطانية ، ص 207
(2) الجاحظ ، الحيوان 1/3 ـ 4
(3) ف 0 بارتولد ، تاريخ الحضارة الإسلامية ، ص 40