أبو العرب ...كان سبب طلبه للعلم، أنه أتى يومًا الى دار محمد بن يحيى بن سلام، فأعجبه من الطلبة. فاختلف إليه أيامًا، وهو من أبناء السلاطين. قال: فقال رجل: لا تتزيا بهذا الزيّ، فليس بزي طلبة العلم. فرجعت فذكرت ذلك لأمي، فأبت علي وقالت إنما تكون مثل آبائك السلاطين. فاشتريت ثيابًا ورداء، وجعلتهم عند صباغ. فإذا أتيت لبست تلك الثياب علي، في حانوته. ومضيت الى ابن سلام. فإذا انصرفت من عنده، رجعت الى حانوت الصباغ، وكشفت ما علي، ولبست ثيابي التي جئت بها، ورجعت الى دري. فقال لي رجل: أراك تلازم وتسمع، ولا تكتب. فقلت له: والديّ رغباني في هذا الأمر، والمعونة عليه، ولم يمكّناني من شيء. فقال: أعطيك جلدًا تكتبه لنفسك. وتكتب لي آخر. فرضيت بذلك، وفعلته معه مدة. الى أن يسر الله لي فيما اشتريت به الرق. وقويت به على طلب العلم.
ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 451)
ابن التبّان، الفقيه، الإمام. ..قال: كنت أول ابتدائي أدرس الليل كله، فكانت أمي تنهاني عن القراءة بالليل. فكنت آخذ المصباح فأجعله تحت الجفنة، وأتعمد النوم، فإذا رقدت أخرجت المصباح وأقبلت على الدرس. وكان كثير الدرس. ذكر أنه درس كتابًا ألف مرة. الى أن قال لي أبي ذات يوم: يا بني ما يكون منك؟ لا تعرف صنعة، واشتغلت بالعلم ولا شيء عندك. فلما كان ذات ليلة سمعته يقول لوالدتي: عرفت أني عُرّفت اليوم بابني؟ وذلك أني حضرت أملاكًا في مسجد - سماه - فوجدته ممتلئًا بالناس، ولم أجد مجلسًا، فقام لي رجل من موضعه وأجلسني فيه، فسأله إنسان عني، فقال له أسكت هذا والد الشيخ أبي محمد. وقال آخر: خرج والدي محمد بن التبان يومًا من مسجد المسند، فزلق في طين، فبادر رجل وأخذ بيده، وقال لصاحبه: هذا والد الشيخ أبي محمد الفقيه. قال: فرجع وحرّض ابنه على طلب العلم، والتزم القيام بشأنه من يومئذ.
العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية - (ج 1 / ص 73)