ـ كتاب (( الإغفال ) )يدلُّ دلالةً واضحةً وصادقةً على تفهُّم أبي عليٍّ لكتاب سيبويه ، وعكوفه عليه ، وتعمُّقه في دراسته ، لذا فقد كان أبو عليٍّ يضمِّنُ كلامَه كثيرًا من عبارات سيبويه وأمثلتِهِ ، حتَّى إنَّكَ لتراه يجري على لسانه كأنَّه يحفظُهُ عن ظهر قلب ، حتى إن عباراته تداخلت مع نص الكتاب في بعض نسخه ( [21] ) .
وكثيرًا ما يتكلَّمُ بكلام سيبويه ، ويمثِّل بأمثلته دونما إشارة، فإذا عدتَ إلى الكتاب رأيت الكلام لسيبويه . ولَمَّا كان لسيبويه (رحمه الله) المكانة الأولى بين النحاة ، فلا غرابة في أن يجري أبو عليٍّ في فلكه . ويرى الأستاذ الدكتور عبد الفتاح شلبي أنَّ هناك أسبابًا خاصة أخرى جعلت أبا عليٍّ يقفُ هذا الموقف من إمام النُّحاة ؛ فكلاهما فارسيٌّ ، بل إن قبر سيبويه موجود بشيراز تلك المدينة التي بقي فيها أبو عليٍّ قرابة عشرين سنة أيام صباه ، ثم عاد إليها بعد رحلته إلى بغداد واتصاله بعضد الدولة ليقيم فيها عشرين سنة أخرى ، فهذه أربعون عامًا قضاهًا بجوار ذلك الإمام ، ولعلَّ كلَّ ذلك دافِعٌ لأنْ يقِفَ أبو عليٍّ ذلك الموقف الصُّلب مدافعًا عن إمام النحاة (سيبويه) ضدَّ معارضيه (رحمهم الله جميعًا) ( [22] ) . وأقولُ: بل ربما يكونُ الدَّافعُ الأهمُّ في هذه الحملة التي قادها أبو علي ضدَّ شيخه هو الخلاف المذهبي بين أبي إسحاق السني ، وأبي عليٍّ المعتزلي .