(( لقد قرأ أبو عليٍّ(رحمه الله) كتاب سيبويه قراءةً فاحصةً واعيةً ، ووازن نسخه بعضها ببعض ، وردَّ ما يُتَوهَّمُ في الكتاب من التَّدافع ، وصحَّحَ مذهبه ، واحتجَّ به ، واحتجَّ له ، ونصَّ على أنَّ القولَ قولُ سيبويه ، وبنى على ما يرويه ، وقاس على ما يحكيه )) ( [23] ) ، ومن ثَمَّ فإنَّ أبا عليٍّ يُتعِبُ مَن يتصدَّى إلى تحقيق مؤلفاته ، في إرجاع اقتباساته من كلام سيبويه إلى (( الكتاب ) )، لذا فقد تعبتُ في تتبُّع مسائله في الكتاب ، وأخفقتُ في الوصول إلى بعضها ممَّا حكاه عن سيبويه .
كلُّ هذا في (( الإغفال ) )يدلُّ بوضوحٍ على صدق قول أبي حيَّان التوحيدي في أبي عليٍّ و (( الكتاب ) )حيث قال ( [24] ) : (( وأما أبو عليٍّ فأشدُّ تفرُّدًا بالكتاب ، وأشدُّ إكبابًا عليه، وأبعدُ من كلِّ ما عداه مما هو علمُ الكوفيين ، وما تجاوز في اللُّغة كتبَ أبي زيدٍ ، وأطرافًا مما لغيره، وهو متِّقدٌ بالغيظِ على أبي سعيد، وبالحسد له، كيف تمَّ له تفسيرُ كتاب سيبويه من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بغريبه، وأمثاله، وشواهده، وأبياته ) ).
ومن ثَمَّ رأينا أبا عليٍّ يدافع عن سيبويه ، وعن آراء سيبويه، ضد المعترضين وبخاصَّةٍ المبرِّدُ الذي اعترض على سيبويه وخطَّأه في كتابه المسمى بـ ( الغَلَط ) ، ولعلَّ هذا ما جعل الفارسيَّ يعمد إلى الزَّجَّاج تلميذ المبرد فيتعقَّبُهُ في كتابه (( معاني القرآن وإعرابه ) )ويَرُدَّ عليه في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه، ولعل ذلك أيضًا كان الحامل على مسالمته في الأعم الأغلب لأحمد بن يحيى (ثعلب) خصم المبرد ( [25] ) . على أنَّ أبا حيَّان (رحمه الله) أرجَعَ ذلك إلى أنَّ أبا عليٍّ كان محبًّا للرَّدِّ على الزَّجَّاج وتخطئته، قال: (( لأنَّه كان مولَعًا بذلك ) ) ( [26] ) .