ومِن نعم الله تعالى عليه ، أدام الله تعالى النِعَم لديه أنَّ الله قرن ألفاظه بفصل المقال ، ووشح كلامه بضرب الأمثال ، وسمعته أعزّ الله نصره يتمثّل كثيرا بفصوص من شعر المتنبي ، هي لب اللب ، يضع فيها الهناء موضع النقب ، وهذا الشاعر مع تميّزه وبراعته وتبريزه في صناعته ، له في الأمثال خصوصا مذهب سبق به أمثاله ، فأمليت ما صدر عن ديوانه من مثل واقع في فنّه ، بارع في معناه ولفظه ؛ ليكون تذكرة في المجلس العالي ، تلحظها العين العالية ، وتصيبها الأذن الواعية ، ثم إنْ أمرَ أعلى الله أمره أمليت بمشيئة الله ما وقع في الأمثال من شعر جاهل أو مخضرم أو إسلامي ، فما أجد من عمل في ذلك من الأدباء كتابا مُقنِعًا ، أو جمعا مُشبعًا ، قرن الله السعادة بأيامه ، والمناجح بأعلامه ، إنَّه فعَّالٌ لما يريد .
قال المتنبي [1] :
... فَعُد بِها لا عَدِمتُها أَبَدًا ... خَيرُ صِلاتِ الكَريمِ أَعوَدُها [2]
/ ... صَبرًا بَني إِسحاقَ عَنهُ تَكَرُّمًا إِنَّ العَظيمَ عَلى العَظيمِ صَبورُ [3] 3أ
... يَمَّمتُ شاسِعَ دارِهِم عَن نِيَّةٍ إِنَّ المُحِبَّ عَلى البِعادِ يَزورُ [4]
... فَمَوتي في الوَغى أَرَبي لِأَنّي رَأَيتُ العَيشَ في أَرَبِ النُفوسِ [5]
(1) شرح الأبيات من التبيان في شرح الديوان المنسوب خطأً لأبي البقاء العكبري ،وهوفي الحقيقة لعلي بن عدلان الموصلي ، وتوثيق الأبيات من الديوان طبعة دار الكتب العلمية
(2) من المنسرح ، ديوانه 1/53
أعودها: أكثرها عودا
(3) من الكامل ، ديوانه 1/117
على العظيم: أي على الأمر العظيم ، وروى ابن جني عن العظيم: أي عن الرجل العظيم .
(4) من الكامل ، ديوانه 1/118
عن نية: أي عن قصد ، أو النية بمعنى النوى ، أي البعد ، يقول: قصدت ديارهم البعيدة لحبي إياهم ؛ لأن المحب يزور حبيبه ، وإن شطت به النوى .
(5) من الوافر ، ديوانه 1/99
الأرب: الحاجة ، يقول: إذا قُتلت في الوغى ـ الحرب ـ فذلك هو حياتي ، لأن حقيقة الحياة ما يكون فيما تشتهيه النفس ، وأنا أشتهي أن أموت محاربا ، وإذا أدركت ما أشتهي ؛ فكأني حييت .