فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه . ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوي، وسأنظر .
وأخذ كتاب النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فجعله في حُقِّ من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -:
"بسم الله الرحمن الرحيم . لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد:"
فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت بغلة لتركبها، والسلام عليك" (2) .."
ولم يزد على هذا ولم يسلم، فتزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مارية، فأنجبت له طفل ـ سماه إبراهيم، تقديرًا وتشريفًا لأبي الأنبياء ـ عليه السلام ـ ، أما سيرين، فقد تزوجها الشاعر حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ ..
"تلك مُثلٌ لرسائله إلى رجالات النصرانية ومواقفهم منها. وقد ساق النبي كذلك مبعوثيه إلى رؤساء المجوسية يدعونهم إلى الله، ويحدثونهم عن الدين الذي لو تبعوه نقلهم من الغي إلى الرشاد .. وقد تفاوتت ردودهم، بين العنف واللطف والإيمان والكفر" (3) ..
والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بذلك أول من نادى بالحوار بين الحضارات والحوار بين الأديان .. ومارس هذا الحوار كما رأيت بمستوى عال من الأدب وحسن الخلق واحترام الرأي الآخر .
ولقد أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثير من الرسل لتحقيق مثل هذا الحوار بينه وبين الأمم والحضارات الأخرى وملوك وزعماء العالم..
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل الفتح وبعد الحديبية، رسله إلى الملوك:
(1) فبعث دحية بن خليفة الكلبي، إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل.