بعدما عقد النبي - صلى الله عليه وسلم -هدنة بينه وبين مشركي مكة الذين حاربوه على مدار ثمانية عشر عامًا ـ أو أكثر ـ، استغل النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -هذه الهدنة في مراسلة زعماء وأمراء وملوك العالم .. لتعريف بدعوة الإسلام وغايته .. مركزًا في خطاباته على قيم السلام وحرية الاعتقاد، نرى ذلك جليًا في محتوى هذه الرسائل ..
هذا، ولنتأمل أحد هذه النماذج المشرقة، ولتكن رسالة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -إلى الملك المقوقس ..
فكتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جُرَيْج بن مَتَّي الملقب بالمُقَوْقِس ملك مصر والإسكندرية:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط، { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } " (1) .
واختار لحمل هذا الخطاب حاطب بن أبي بَلْتَعَة - رضي الله عنه ـ .
وجدير بنا أن نذكر كلام حاطب ـ رضي الله عنه ـ للمقوقس حتى يعرف الغرب أن هذه البعوث كانت تعرف هدفها جيدًا كما أنها بلغت حدًا من الفقه والحصافة يستحق الإعجاب البالغ.
قال حاطب: إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ..وكل نبي أدرك قومًا فهم أمته، فحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به.