الصفحة 12 من 42

وهجيرَهم؛ حيث قاموا متسارعين في مناصرة هذه القضية إخلاصًا ووفاءً لحق المرأة المظلومة، والأخت الحميمة، بألسنة رحيمة، وقلوب وخيمة .. !

فأقول: ما هذا الولع بقضيَّة المرأة، والتباكي من أجل حجابها، وسفورها، وحريتها، كأنما قد قمتم بكلِّ واجبٍ للأمة عليكم في أنفسكم؛ فلم يبق إلاَّ أن تفيضوا من تلك النعم على غيركم، هذِّبوا رجالَكم قبل أن تهذبوا نسائكم، فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز، فدعوا هذا الباب مؤصدًا، فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلًا عظيمًا، وشقاءً طويلًا، إنكم ـ والله ـ تكلِّفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه، وتطلبون عندها ما لا تعرفونه عند أنفسكم، فأنتم تخاطرون بها في معركة الحياة مخاطرةً لا تعلمون أتربحونها من بعدها أم تخسرونها، وما أحسبكم إلاَّ خاسرين، فالمرأة عندنا لم تشتكِ إليكم ظلمًا، ولا تقدمت إليكم في أن تحلُّوا قيدَها وتطلقوها من أسرها، فماذا تريدون؟.

لقد كنَّا وكانت العفَّةُ في سقاء من حجاب موكوء، فما زلتم به تثقبون في جوانبه كل يوم ثقبًا، والعفةُ تسيل منه قطرةً قطرة، فماذا تريدون؟.

عاشت المرأة في هذه البلاد دهرها هادئة مطمئنة في بيتها راضية عن نفسها، وعن عيشها، ترى السعادةَ كلَّ السعادة في واجبٍ تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشَّرف كلَّ الشَّرف في خضوعها لأبيها، وائتمارها بأمر زوجها لأنه زوجها؛ كما تحبُّ ولدها لأنه ولدها، فماذا تريدون [1] ؟.

(1) ـ انظر"العبرات"للأديب المنفلوطي ص (49 ـ وما بعدها) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت