وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، واختاره أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى . وقبل الدخول في شرحها أقول:- لقد شرحنا في قواعد الأصول ولله الحمد والمنة أن ماورد في الشريعة مطلقًا فإنه لا يجوز تقييده إلا بدليل ذلك لأن الأصل أن المطلق يجرى على إطلاقه ولا يقيد إلا بمقيد صحيح صريح ، وشرحنا أيضًا في كتابنا تلقيح الأفهام ولله الحمد والمنة أن كل حكم ورد في الشرع ولم يرد فيه تحديده فإننا نحده باللغة فإن لم نجد له حدًا في اللغة فإننا نحده بالعرف ، فهاتان القاعدتان لا بد من استذكارهما هنا لأن هذه القاعدة فرع عنهما والله يتولانا وإياك وهو أعلى وأعلم .
فأقول: إن هذه المعاملات المختلفة من بيع وشراءِ وسلم وحوالة ٍ وضمان وكفالةٍ وقرضٍ ووقفٍ وهبة وغيرها ، كلها وردت في الأدلة هكذا مطلقة ًلم تقيد بلفظٍ معين ولا بفعل معين لا تنعقد إلا به ، ومن قيد انعقادها بقولٍ معين أو فعلٍ معين فإنه مطالب بالدليل المقيد لما أطلقته الأدلة ، فانعقادها وردت به الأدلة المطلقة ولم يرد تحديده بلفظٍ أو فعلٍ معين فيكون مرد انعقاد هذه المعاملات إلى العرف ، فتنعقد هذه المعاملات بما دل عليه العرف من قولٍ أو فعل من غير اشتراط لفظٍ معين أو فعلٍ معين ، ولأن الأصل عدم الاشتراط فمن قيد صحة معاملة من المعاملات بشرط معين فإنه يكون مخالفًا للأصل وناقل عنه ، والناقل عن الأصل هو المطالب بالدليل ، وعلى ذلك فأي قولٍ أو فعلٍ يدل على مقصود المعاملة فإنه يكون كافيًا في انعقادها ويكون ذلك خاضعًا للأعراف واختلافها من بلدٍ إلى بلد ويعتبر على الخصوص عرف التجار فيما بينهم في هذا المعاملة ، وعلى كلٍ فنقول: إن أي لفظ أو فعل يدل على الرغبة في هذه المعاملة ويحقق المقصود فإنه يكون كافيًا في الانعقاد ، وهذا هو الذي دلت عليه الأدلة والله الموفق والهادي وهو أعلم وأعلى .