و صحن جميل لتناوله بشراهة و انشراح، كذلك تقديم الأفكار و المبادئ تخضع لنفس المواقف [1] ، فالإلقاء الجيد يجعل المادة الهزيلة تمضي طويلا.
الإلقاء الجيد هو الذي يقدم الحروف للسامع سليمة من العيوب، و صحيحة في مخارجها صادقة في جرسها أخاذة في إيقاعها، ينطق الكلمات بلا عجمة و لا لحن و لا تعثر بعيدا عن الإرتباك و الالتواء: (و قل لهم في أنفسهم قولا بليغا) النساء 63
أسند الخطيب البغدادي عن جماعة من السلف"أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن" [2]
-و هنا نقطة مهمة و هي الالتزام في إلقاء الآيات الكريمة برواية الإمام ورش، فلكم يتحسَّر الواحد منا إذ يرى بعض الأئمة يقرأون برواية الإمام حفص و يتركون رواية الإمام ورش التي يقرأ بها كل الناس صغارا و كبارا ..
فما بها رواية ورش؟! مالذي ينقصها؟! أليست رواية عن قراءة الإمام نافع؟! أليست قراءة نافع قراءة سبعية متواترة؟! بلى وربي. قال الإمام مالك:"قراءة أهل المدينة سنة، قيل له: قراءة نافع، قال: نعم" [3] ، إذن لماذا هذا الجحود؟!.
ذكرني هذا بأبيات قالها الإمام أبو الحسن الحصري المالكي، قال فيها [4] :
إذا قلت أبياتا حسانا من الشعر فما قلتها في وصف وصلٍ و لا هجرٍ
و لا مدح سلطان و لا ذم مسلم ... و لا وصف خلٍ بالوفاء أو الغدر
و لكنني في ذم نفسي أقولها كما فرطت فيما تقدم من عمري
رأيت الورى في درس علمي نزهدوا ... فقلت لعل النظم أحظى من النثر
و لم أرهم يدرون ورشا قراءة ... فكيف لهم أن يقرأوا لأبي عمرو
فألزمت نفسي أن أقول قصيدة أبث بها علمي و أرغب في الأجر
و الإلقاء الجيد هو الذي يكون طبيعيا من غير تكلف. قال ـ عليه السلام ـ"أبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون المتشدقون و المتفيقهون"رواه الترمذي
و أيضا من غير انتحال لشخصية أخرى .. فليس هناك أي إنسان مثلك في العالم فمئات الملايين من الناس تمتلك العيون و الآذان، لكن ما من أحد يشبهك تماما ..
(1) القدوة الإسلامية: 70/ 71
(2) حلية طالب العلم:59
(3) نقلا عن محاضرة بعنوان:"من المساهمة الإفريقية في العلوم الإسلامية للشيخ الشاذلي النيفر"منشورة ضمن كتاب الأصالة: 119
(4) نفس المرجع السابق: 144