إن خاصية هذا العصر هي أنها تجعل المرء يفضل - بعلم - الحياة الدنيا على الحياة الباقية. حتى اصبح تفضيل الزجاج القابلة للكسر على الألماس الباقية عن علم، يجري وكأنه دستور وقاعدة عامة .
نعم، إن الأضرار الطفيفة الموقتة للحياة الدنيوية الفانية القصيرة بالنسبة للحياة الأخروية الخالدة إنما هي كلسع الذباب . بينما أضرار الحياة الأخروية هي كلدغ الثعابين .
إن هذه الدنيا دار عمل وليس موضع اخذ الأجرة فثواب الأعمال الصالحة وثمراتها وأنوارها تمنح في البرزخ والآخرة وان جلب تلك الثمرات الباقية إلى هذه الدنيا وطلبها في هذه الدنيا يعني جعل الآخرة تابعة لهذه الدنيا .
إن هذا العصر قد غرز حب الحياة الدنيوية في الإنسان وأجراه في عروقه فجرحه جروحًا بالغة ،حتى ان شيخًا هرمًا وعالمًا وتقيًا صالحًا يطلب أذواق الحياة الأخروية في الدنيا لجريان حكم الأذواق الحياة الدنيوية فيه أولًا .
إن هذا الزمان - لأهل الحقيقة - زمان الجماعة، وليس زمان الشخصية الفردية وإظهار الفردية والأنانية. فالشخص المعنوي الناشئ من الجماعة ينفذ حكمه ويصمد تجاه الأعاصير. فلأجل الحصول على حوض عظيم، ينبغي للفرد إلقاء شخصيته وأنانيته التي هي كقطعة ثلج في ذلك الحوض وإذابتها فيه وإلا ستذوب حتمًا تلك القطعة من الثلج، وتذهب هباءً وتفوت الفرصة من الاستفادة من ذلك الحوض أيضًا .
في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذه الأحداث الجسام فان اعظم قوة لدينا - بعد قوة الإخلاص - هي قوة"الاشتراك في الأعمال الأخروية"إذ يكتب كل منكم في دفتر أعمال اخوته حسنات كثيرة مثلما يرسل بلسانه الإمداد والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها .
الانشغال بالأمور الفاسدة فساد أيضًا .
نحن إذن مع أننا مفلسون ليس لنا شيء أننا أصبحنا خدامًا و دلالين في معرض أغلى المجوهرات .