إن في جرثوم النفس جوعًا شديدًا، واحتياجًا عظيمًا ،وذوقًا عجيبًا. وإذا تحول مجرى سجاياها، انقلب حرصها المذموم اشتياقًا لا يشبع، وصار غرورها المشؤوم وسيلة النجاة عن جميع أنواع الشرك ،وتحول حبها الشديد لنفسها وذاتها، حبًا ذاتيًا لربها، وهكذا .. حتى تنقلب سيئاتها حسنات .
إنه لا حق لك في أن تطلب حقًا من الحق سبحانه، بل حق عليك أن تشكره دائمًا، إذ له الملك والحمد .
إن عفوه تعالى فضل ،وعذابه عدل ، إذ كما أن من أكل سمًا ، فهو مستحق للمرض بحكم عادة الله المستمرة فإن لم يمرض، فهو فضل وكرامة من الله بخرق العادة .
إن الإنسان مبتلى بالنسيان، واسوأ النسيان نسيان نفسه، إلا أن نسيان النفس إن كان في المعاملة والخدمة والسعي والتفكر فهو الضلال . وإن كان في النتائج والغايات فهو الكمال .
ان سر تساند المؤمنين في عباداتهم، ودعواتهم في جماعاتهم سر عظيم، وأمر جسيم له شان فخيم، إذ يصير به كل فرد كالحجر المجصوص، في البناء المرصوص يستفيد من إخوانه في الإيمان بألوف ألف ألف ما يستفيد من عمل نفسه .
اعلم ! أنى قد شاهدت أن النظرإلى الغير مع نسيان النفس، يقلب الحقائق. كالنظر في الماء يريك الأشياء المعنوية معكوسة منتكسة، فمع أنك تجهل تعتقد أنك تعلم .
اعلم ! يا"أنا"إذا كان نفسك احب إليك لأنها أقرب إليك من كل شيء ،فلابد أن يكون ربك احب إليك منك ،إذ هو اقرب إليك من نفسك ألا ترى أن ما يصل اختيارك وخيالك إليه من أسرار ما ركب فيك ،هو حاضر مشاهد لربك .
إذا ما دخلت بستانًا فلا اجني إلا الأجود من الثمرات ،حتى إذا ما تعبت في قطفها أجد المتعة واللذة . ولو وقع نظري على الفاسدة منها ،اصرفه عنها ،أخذًا بالقاعدة:"خذ ما صفا دع ما كدر".. هكذا أنا ،فأرجو أن يكون قرائي أيضًا مثلي .
إن البذرة الفاسدة لا تؤتي شجرتها الثمار الغضة كل حين .
من"الملاحق في فقه دعوة النور"