ولو أردنا الحديث بطوله عن القضاة اليوم لاحتجنا إلى مئات الورقات ، وما ذكرته للذكرى والاعتبار ، لا للتشويه وتتبع العثار ، لينتبه أهل المراد مما يُراد .
صفات القاضي:
وردت ترغيبات كثيرة في حق القاضي العادل ، الذي لم يسأل القضاء ، ولا استعان عليه بالشفعاء ، وكان لديه من العلم بكتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يعرف به الحق من الباطل ، بعد علم حازه يمكنه من الاجتهاد .
وأما من كان عكس هذه الأوصاف فقد أوقع نفسه في مضيق ، وباع آخرته بدنياه ، لأن كل عاقل يعلم أن من تسلق للقضاء وهو جاهل بالشريعة المطهرة ، جهلًا بسيطًا أو مركبًا ، أو كان قاصرًا عن رتبة الاجتهاد ، فلا حامل له على تولي القضاء إلا حب المال والشرف أو أحدهما ، فالله سبحانه وتعالى لم يكلف أحدًا ، ولم يوجب على من لم يتمكن من الحكم بما أنزل الله من الحق ، أن يتحمل هذا العبء الثقيل .
فعلم من ذلك أن الحامل للمقصرين على التهافت على القضاء والتوثب على أحكام الله بدون علم ، إنما هو حب الدنيا والركون إليها ، وحب الظهور والشهرة ، وتحقيق الرغبات ، وتلبية الطلبات ، وقد كثر التتابع من الجهلة في هذا المنصب الشريف الرفيع ، واشتروه بالأموال ممن هو أجهل منهم ، حتى عمت البلوى أقطار المسلمين ، حتى أصبحت الأحكام الشرعية الإلهية تخضع لمن يدفع أكثر ، وهم يوقعون عن العالمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [ نيل الأوطار 8/264 ] .