والأدهى من ذلك والأمر ، عندما يدب داء الحسد إلى قلب القاضي ، فيصبح مربادًا منكوسًا ، طغت عليه حب المادة ، وسيطرت عليه الشياطين ، فأصبح ألعوبة وأضحوكة ، يصارع الناس ، ويحقد ، ويمتلئ قلبه غيظًا على إخوانه المسلمين ، من أجل تحصيل منفعة زائلة ، والواقع محشو بالحقائق ، نسأل الله السلامة والعافية .
وما يندى له الجبين ، وتدمع له العين ، كمدًا وكبدًا ، عندما ترى أحد القضاة يتتبع الحفلات والتخرجات والمناسبات التي ليس له فيها ما يدعو لحضوره ، فتراه في الملاعب والأندية ، والمجالس التي ليس له بها علاقة مباشرة ، وياليته عندما حضر ، وجَّه وعبَّر ، وتحسبه أنكر وتمعر وتغير ؟ لا ، بل سكت وتغبر ، لا يأمر ولا ينهى ، يرى المنكر وكأن شيئًا لم يحدث ، لا يتفوه بكلمة حق ، بل ربما نطق بالباطل ، مداهنة وملاطفة لمن حضر .
نعم والله لقد أساءوا للقضاء ، وتمردوا على الله تعالى ، وأصبح هَمُّ أحدهم جمع أكبر قدر من المال ، والتوسع في البنيان ، والتوطن في البلدان ، والتفاخر في المراكب ، سبحان الله أي قُضاة أولئك ؟
القاضي قديمًا يفض النزاع بين الناس ، ويساوي بين الخصوم ، وهؤلاء يشعلون فتيل النار ، ويخربون الدار ، ولا يحترمون الجار ، ويفرقون بين المرء وأخيه ، حتى تقع الشحناء ، وتحصل البغضاء ، ويقولون نحن قضاة .
قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله مع القاضي ، ما لم يجُر ، فإن جار ، تخلى الله عنه ، ولزمه الشيطان" [ أخرجه الترمذي وابن ماجة ، وحسنه الألباني 2/66 ] .
وهاكم الطامة الكبرى ، والمصيبة العظمى ، إذا ارتشى القاضي ، وحكم للظالم ، وهضم حق المظلوم ، هنا باء بلعنة الله تعالى ، وخرج من رحمة أرحم الراحمين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم" [ أخرجه الترمذي وابن ماجة ، وصححه الألباني 2/68 ] .