يطيعه كما يشاء , وهو الكمي الذي يسير بين الجحفلين بحسامه المرهف , يشق لجج الموت المتلاطمة , وهو الذي يجتاز الفلوات وحده , حتى لتعجب منه سهولها وجبالها ثمَّ هو آخر الأمر صاحب الخيل وخدن الليل , وأنيس الصحراء , وابن الضراب والطعان أو ربُّ القرطاس والقلم.
وبعد أن أراح الشاعر نفسه ممَّا كانت تحمله من أعباء كبريائه , وتنفس غضبه في ثورة نسي فيها سيف الدولة , وشغل فيها بنفسه , عاد إلى وليه ليستعطفه في الظاهر , ولكنَّه يونِّبه في الواقع: لقد استودع مابقي من القصيدة وهو أربعة عشر بيتًا عبارات من العتاب ترق تارة وتقسو غالبًا وتلوح بالفرقة حينًا , وتهدد بالقطيعة أحيانا.
لقد بدا هذه الدفقة من العتاب ببيت يفيض رقة , ويتدفق عذوبة , حتى ليكاد المرء يعتقد أنَّ أبا الطيب قد ثاب إلى رشده , وأنَّه شعر بسوء أثر ما نطق به لسانه عن نفسه , فيقول بلغة العاتب , بل بلغة التائب: إنَّ فراقه لسيف الدولة يعزُّ عليه , وإنَّ كلَّ شي بعده عدم لايغني عنه (البيت 25) :
يا مَنْ يعزُّ علينا أن نفارقهم
وجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ
غير أنَّه يبدو أنَّ المتنبي قد جاوزت به ألفاظه هدفه فكان عليه أن يفسد تلك الرقة وأن يمُرَّ تلك العذوبة , فيعقب على ذلك بأبيات تنعكس فيها حالة نفسية مضطربة , متذببة بين استرضاء سيف الدولة وإغضابه في غير موقف , وربَّما يجد علم النفس تفسيرًا لذلك التفاوت والتناقض فيرى (( أنَّ الإنسان في أعمق أعماقه يرغب فيما يرهبه , ويرهب ما يرغب فيه , هذه الوحدة الجدليَّة التي تجمع في طياتها بين النقيضين هي جوهر الوجود الإنساني ) ) (10) , فنرى الشاعر يبدأ بعتاب مشوب بالاعتزاز بالنفس إذ يقول (البيت 26) :
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍ
لو أنَّ أمركُمُ من أمرنا أممُ
ثم يتلوه استسلام هو أدنى إلى الفناء في الحبِّ حين يرقُّ رقة الأصدقاء الأصفياء, ويذلُّ ذلَّ المحبين المتيمين , إذ يقول (البيت 27) :
إنْ كان سرَّكُمُ ما قال حاسدُنا
فما لجرحٍ إذا أرضاكُمُ ألمُ
ولكنَّه - كعادته - يخشى أن تغلبه رقته (أو ما تكلَّفه من الرقة) فينتقل سريعًا إلى اللوم يلمح به تلميحًا , ويعرِّض فيه بسيف الدولة تعريضًا (البيت 28) :
وبيننا - لو رعيتُم ذاك - معرفةٌ
إنَّ المعارفَ في أهل النهى ذممُ
وهنا , يشعر أبو الطيب بأنَّه يتنفس عاطفة هي أقرب إلى نفسه , وينطق بما هو أصدق في تصوير شعوره , فيندفع في التعبير عن كوامن نفسه , وينتقل من التلميح إلى التصريح ومن التعريض إلى التقريع البغيض (البيت 29) :
كَمْ تطلبون لنا عيبًا فيُعجزكم
ويكره الله ما تأتون والكرمُ
بعدها ينطق أبو الطيب في بيت واحد بما يجمع بين مدح سيف الدولة بأنَّه الغمام الجواد وذمِّه بأنَّه الظالم الذي لا يعدل في توزيع عطاياه , وينفس على منافسيه فيتمنَّى لهم صواعق هذا الغمام , ويذل بالاستجداء والسؤال ويضعف بالتمني لما يجود به الغمام من الحيا الهطال , هذا التناقض في وصف مشاعره يدل على (( أنَّه يعيش لحظة من لحظات الصراع النفسي المتفاقم في داخله النفسي , فتكون حالته أقرب إلى الهوس , فتراه يرجِّح كفَّة من المشاعر , ثم يعود ليرجح كفَّة أخرى من المشاعر المناقضة للأولى ) ) (11) (البيت 31) :
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقُهُ
يزيلهُنَّ إلى من عنده الديمُ
ويستخزئ مرة أخرى , محاولًا ستر استخزائه في ثوب من التهديد , ولكنَّه ثوب شفاف لايستر ما تحته من ضعف وتهافت , وقد أوشك أن يختتم قصيدته لفرط ما نطق به ممَّا أغضب أميره إنَّه لم يزيد على أن يقول (البيت 32) :
أرى النوى يقتضيني كُلَّ مرحلةٍ
لاتستقلُّ بها الوخَّادةُ الرسمُ
إنَّه قرار نفسي لأبي الطيب لارجعة فيه , فدار الصراع بين أناه المتعالية وضغط الأنا الأعلى , بين كبريائه وحب سيف الدولة في مكامنه , فاختار كبرياءه على كلِّ عطاء ومقام يأملان عند وليه إذا ما خضع لحسد حساده وقبول الأمير بالإصغاء لهم. ثمَّ يبدو المتنبي في صورة المهدد , ولكنَّه تهديد أدنى إلى التحريض والإغراء حين يقول (البيتان 33 - 34) :
لئنْ تركت ضُميرًا عن ميامننا
ليحدُثَنَّ لمن ودّعُتُهم ندمُ
إذا ترحَّلت عن قومٍ وقد قدروا
أن لاتفارقهُمْ فالراحلون هُمُ
إذ إنَّ التجارب العميقة والمرَّة التي تغور في ذات الشاعر تسوغ لنا أن نقرأ البيتين السابقين قراءة