من الداخل النفسي للشاعر , فالانطباع الوجداني الذي يتأكَّد منهما هو أنَّ الشاعر في خضم المعاناة النفسية من جهة وقوَّة الأنا في التماسك أو محاولة التماسك في مواجهة هذه المعاناة من جهة أخرى , وإنَّنا لنلمس ذلك الرفق في التهديد في تذكير سيف الدولة بما سيحدث له من ندم إذا فارقه أبو الطيب. ثمَّ لنتدبر الرفق واللين اللذين يشعان فجأة من لفظ (( لمن ودعتهم ) )إنَّه عود آخر للصراع النفسي بين أناه والأنا الأعلى , ولكنَّ نتيجة هذا الصراع النفسي هذه المرة تراجع الأنا عن كبريائها أمام مايكنه من حبٍّ صادق لوليه وتمني استبقاء الأمير له, غير أنَّ هذا التراجع لايستمر طويلًا بل تعود أنا الشاعر إلى مركزها المتعالي وهو إن دلَّ على شيء إنَّما يدل على (( حجم الصراع الداخلي الذي يعتمل في المكامن الداخلية في الجهاز النفسي , إذ يتجاذب ذات الإنسان تياران أحدهما يؤكِّد ذاته والآخر يضعفها ) ) (12) . غير أنَّ ذاته تعود مرة أخرى فتنقلب وشيكًا وتغضب سريعًا وتكاد تنتقم من نفسها لما فرط منها من الملاينة , فتأتي الجفوة في التعبير ... (البيت 35) :
شرُّ البلاد مكانٌ لاصديقَ بها
وشرُّ مايكسب الإنسانُ مايصمُ
وتعود إليه صورة حساده , ويؤلمه أنَّ الأمير يساوي بينه وبين سقط المتاع من زعانف الشعراء يقول (البيتان 36 - 37) :
وشرُّ ما قنصته راحتي قَنَصٌ
شُهْبُ البزاة سواءٌ فيه والرخمُ
بأيِّ لفظٍ تقول الشعرَ زعنفةٌ
تجوز عندك لاعُربٌ ولاعجمُ؟
ثمَّ يختتم قصيدته ببيت يلخِّص فيه اللين والضعف والقوة التي اعترت ذاته , واللوم والتقريع والمدح الذي يوجِّهه إلى سيف الدولة , فيصف هذا كلَّه بأنَّه عتاب غير ناسٍ نفسه وقدره فيصف ذلك العتاب بأنَّه كلام قد ضُمَّن الدرَّ , يقول: ... (البيت 38) :
هذا عتابُكَ إلا أنَّه مِقةٌ
قد ضُمِّنَ الدرَّ إلا أنَّه كلمُ
هذه الخلاصة بطبيعتها تدل على معنى التحول الكبير في الموقف النفسي والسلوكي إزاء الأزمة المفاجئة التي أُصيبت بها ذات أبي الطيب من موقف سيف الدولة , لذا تعيش ذاته وسط مفارقات وتجاذبات نفسية (( تبلغ من عظمها أن تعطِّل إمكانات النفس وقدرات الذات , فتصمها بالسلبية , وتصيبها بالإحباط , وتفرض عليها نوعًا من القهر , وتنال من أعماقها فتفقدها القدرة على التمييز بين الأشياء , فتستوي لديها كلُّ الأشياء ) ) (13)
استنتاجات
1 -إنَّ المتنبي في هذه النفحة السحرية لم يكن في موقف اعتزاز أو عتاب ولا في موقف مدح بل لم يكن في موقف فخر خالص , وإنَّما كان خاضعًا لمجموعة معقدة من الوجدانات تعتوره في وقت واحد أو لحظات سريعة متلاحقة , ممَّا أخرج لنا هذا المزيج العجيب في هذه القصيدة.
2 -التناقض النفسي الواضح الذي ظهر في القصيدة الذي توزَّع بين اللين تارة والقوة تارة أخرى , وهو إن دلَّ على شيء إنَّما يدل على أنَّ الشاعر لحظة نظم القصيدة كانت تتجاذب ذاته صراعات نفسية بين أقطاب الجهاز النفسي الهو والأنا والأنا الأعلى.
3 -وعلى أثر هذه التجاذبات النفسية يتكشف لنا أنَّ أبا الطيب يكنُّ شعورًا داخليًا صادقًا تجاه سيف الدولة , فكانت أبيات القصيدة عبارة عن رسائل تذكيرية موجه إلى ذات وليه , تشعره أنَّه أخطا الحكم بين الشاعر وحساده , وعليه لم تكن بؤرة الصراع النفسي في ذات أبي الطيب وشعوره بالانكسار بسبب تردي علاقته مع وليه بل لأنَّ الأخير انتصر لغيره عليه.
4 -ربَّما يكشف تحليلنا النفسي لهذه القصيدة , أنَّه يمكن أن نعدها إحدى الوثائق النفسية التي ندافع بها عن ذات أبي الطيب التي غالى كثير من النقاد في وصفها بأنَّها مصابة بداء العظمة , لذا نقول: إنَّ التركيب النفسي أو الطبع النفسي لشخصية أبي الطيب قد جبل على الكبرياء , فإذا ما واجهت ذاته أي حافز تستشعر أنَّه يكسر كبرياءها , تنتفض أناه لإثبات وجودها , فتكون في موضع تعال على الحافز أو مسببه.
هوامش البحث
1 -ينظر الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي: عبد القادر فيدوح: 48.
2 -ينظر: الأبعاد الأساسية بين علم النفس والفن: د. محمد جميل الديوان: 68.
3 -ينظر: التحليل النفسي والاتجاهات الفرويدية - المقاربة العيادية - د. فيصل عباس: 139.