الغاضب في العادة مايريد أن يقول من اللوم والنقد.
وبالعود مرة أخرى لقراءة السابق نجد أنَّ الشاعر أقحم مضطرًا تلك الصور التي مدح بها سيف الدولة بين صرختيه بالشكوى , كأنَّها فترة استجمام بين الصرختين أو لعلَّها - كما قلنا من قبل - ستر لموقفه من وليه الذي كان يتعطش لسماع مديحه , سمعنا صرخته الأولى في مستهل القصيدة أمَّا صرخته الثانية فهي التي يلاحق بها ما قاله في سيف الدولة مدحًا حتى إنَّه يكاد أن يمحو بها أثر ذلك المدح حين عاد إلى غضبه مرة أخرى فينعكس لنا انفجار نفسي آخر في قوله (البيت 12) :
يا أعدلَ الناس إلا في معاملتي
فيك الخصامُ وأنت الخصمُ والحكمُ
إذ غير خاف على القارئ أنَّ البيت السابق يكنز في حناياه هجاء لاذعًا لسيف الدولة , فنحن لاننخدع بسحر التعبير في هذا البيت فأبو الطيب لايصف سيف الدولة بالعدل كما يبدو للوهلة الأولى من ظاهر اللفظ بل هو يصفه بالظلم وإن قال له ... (( يا أعدل الناس ) )فإن كان هذا مدحًا فإنَّ المقياس بحكم إنسان على عدل إنسان يكون بالحكم على معاملته له هو , فإن اعتقد أنَّه ظلمه فهو ظالم , وإن اعتقد أنَّه أنصفه سماه عادلًا , فماذا قال المتنبي لسيف الدولة في الحقيقة؟ لقد قال له يا أظلم الناس لأنَّك خصم وحكم , ولم ترتفع في قضائك فوق مستوى الخصومة , ولكن شاعرية المتنبي وشعوره بجلال مقام سيف الدولة - في هذه اللحظة على الأقل - حوَّلا هذا التعبير إلى تعبير يُشعر بالمدح , ويؤيِّد هذا ماتابع به أبو الطيب هذه الشكوى إذ يقول (البيتان 13 - 14) :
أُعيذها نظراتٌ منك صادقةً
أن تحسب الشحمَ فيمن شحمُهُ ورمُ
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرِهِ
إذا استوت عنده الأنوارُ والظُّلمُ
فهل قصد المتنبي , هنا , أن يقرر حقيقة أنَّه ينزِّه سيف الدولة من خطأ الحكم , وأن يثبت له صدق النظر في التفرقة بين الشحم والورم؟ فإذا لم يكن هذا الإيحاء الأليم كافيًا في إثبات ما نقول , فلنستمع إلى ما جاء بعده من الأبيات التي يتبع فيها الشاعر شكواه من الأمير , بشكواه من خصومه وحسَّاده الذين يقرِّبهم سيف الدولة , إذ يلتفت إليهم المتنبي التفاتة غاضبة ويصبُّ عليهم احتقاره صبًا , في عشرة أبيات تفيض زهوًا وكبرياء , فما يترك مكرمة من المكارم إلا أضفاها على نفسه غير عابئ بأنَّه في مجلس وليه , وبأنَّ الموقف موقف استرضاء واعتذار لاموقف زهو وفخار. وعرض هذا الأمر تحت مجهر علم النفس يكشف لنا أنَّ مثل شخصية أبي الطيب التي تنماز بالتعالي تحاول دائما في مواقف الضعف وبصورة لاشعورية إثبات وجودها التي تشعر الأنا بتراجعه بسبب قوَّة الموقف المسبب وهو مايسميه فرويد (( الرغبات المحتبسة في اللاشعور ) ) (8) عندما ينتهز الشاعر فرص القول للتعبير عن الرغبات , فيفكها من عقالها , ويطلقها من محبسها , فيكون عند ذلك قد حقق شيئا من اتزانه الداخلي , عندما يشعر أنَّه أعاد لذاته اعتبارها الذي سبب موقف الضعف في تراجعه (9) يقول (الأبيات 15 - 24) :
سيعلمُ الجمعُ ممَّن ضَمَّ مجلسُنا
بأنَّني خيرُ من تسعى به قدمُ
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي من به صممُ
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِهِا
ويسهر الخلقُ جرَّاها ويختصمُ
وجاهلٍ مدَّه في جهله ضحكي
حتى أتته يدٌ فراسةٌ وفمُ
إذا رأيت نيوبَ الليث بارزةً
فلا تظنَّنَّ أن الليثَ يبتسمُ
ومهجة مهجتي من هم صاحبها
أدركتها بجواد ظهره حرم
رجلاه في الركض رجلٌ واليدان يدٌ
وفعلُهُ ما تريد الكفُّ والقدمُ
ومرهفٍ سرت بين الجحفلين به
حتى ضربت وموجُ الموت يلتطمُ
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
صحبتُ في الفلوات الوحشَ منفردًا
حتى تعجَّب منِّي القورُ والاكمُ
فهو خير من تسعى به قدم , وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه , ويسمع الأصم كلماته , وهو صاحب الشوارد التي ينام عنها يملأ جفونه الكرى على حين يسهر الخلق من أجلها ويختصم , وهو الحليم الساخر من خصمه الجاهل الذي يظن حلمه ضعفًا حتى ينقض عليه فيبطش به , وهو الفارس الجواد الذي يمتطي صهوة جواده, وأمره بين يديه