ثم وسوست إليهم الشيطانة، فبيتوا أمرًا، فبدلوا معاملتها فجأة، وصاروا يَخُصّونها بالرعاية، ويلينون لها القول، ويقومون عنها ببعض أعمال الدار، ويمدحونها بأنها هي المتعلمة الكاتبة القارئة، ولم يكن في العادة يطرق بابهم طارق، لأنهم - لبخلهم - لا يزورون أحدًا أبدًا، لئلا يزورهم فيكلفهم ثمن الضيافة، فصار بابهم يطرق كل يوم، يطرقه موزعو البريد برسائل مسجلة، فكانوا يجيئونها بالوصل لتمضيه؛ لأنها هي الكاتبة القارئة وكل من في الدار أمِّيات؛ فكانت تُسرُّ بذلك وتفرح.
وكانت يومًا في المطبخ ويدها في جلي الصحون، فسمعت قرع الباب، فجاءت العمة مسرعة: قالت: خذي الله يرضى عليك إمضِ هنا، قالت: ألا ترين يدي في الصابون، انتظري حتى أغسلها وأقرأ ما في الورق، فقالت لها: الرجل على الباب، إمضِ وبعد ذلك تقرئين ما فيها، وماذا يكون فيها؟ إنه إيصال بريد كغيره من الإيصالات.
فمسحت يدها وأخذت الورقة، وكانت مثنية ما يظهر ما فيها، فوقَّعَتْ حيث أشاروا إليها.
وساءت معاملتهم إياها فجأة، كما حسنت فجأة، وعادوا أفظع عما كانوا عليه، وشاركهم زوجها وانقلب معهم عليها، وكانت حاملًا في شهرها الأخير، فأرادوا أن يتخلصوا من تكاليف الولادة فطردوها، فذهبت إلى بيت أبيها.
وعجب لما رآها داخلة عليه، وأسرع يلومها، ويقول لها: ما هذا العمل، ومتى كان الحرد من شمائلنا؟. وأيدته أمها، لأنهما لم يكونا يعرفان شيئًا من حال أحمائها، فانطلقت تبكي بكاء موجعًا، يقطع القلوب، وتقص عليهما قصتها من خلال دموعها.
وطيب أبوها خاطرها، وأولاها من قلبه ومن ماله، ما ضمد جراحها، وفتحت لها أمها صدرها، ومشت الوسائط بين الفريقين، فإذا بيت الأحماء يقلبون لها ظهر المِجن. ويجاهرون بالعداوة، ويكشفون عن حقيقتهم التي كانوا يخفونها وراء ستار التصنع والنفاق، فيئس أهل البنت، وطلبوا أن يطلقها الزوج ويؤدي إليها حقوقها، ويرد عليها جهازها.