وكان زوجها يحبها ويبتغي الخير لها، وكان مستقيم السيرة، متين الدين، فلم يكن ينظر إلى غيرها، أو يفكر في سواها، ولكنه لم يكن يستطيع أن يبدي حبه إياها، وعطفه عليها لأن هذه العيون الست كانت أبدًا مفتحة عليه ناظرة إليه، مراقبة حركاته وسكناته، لا سيما عينا عمته العجوز العانس، الحاسدة الحاقدة، التي لم تعرف يومًا حب الزوج، وسعادة الزواج، فهي تريد أن تنتقم لنفسها من المجتمع، بحرمان هذه الفتاة من الحب والسعادة، فكانت تلازمها دائمًا، لا تفارقها لحظة، وكانت لها ولزوجها أشد من الرقيب للمحب، والعزول للعاشق، وكانت أكبر من أخيها سنًا، وكانت كالمربية للزوج في صغره، فاتخذت لنفسها حق النصح له في كبره فكانت تنخر أبدًا في قلبه نخر السوس، إن رأته منح زوجته بسمة، أو رقَّق لها كلمة، عاتبته وقالت: أنت يا ولدي صغير لا تعرف النساء، إن المرأة إن رأت من زوجها ضعفًا ركبته ركوبًا، ولم تعد تطيع له أمرًا. وإن رأته أطال الخلوة بها، وسوست له وسواس الشيطان، ووضعت في قلبه جراثيم الكره لها، كما تضع الجراثيم بذور المرض في جسم الصحيح، حتى كادت تكرهه بها، فتبدلت سيرته معها، فصار يتأخر عن العودة في المساء، وإن عاد عاد مقطبًا، لا لذنب منها، بل لما وسوست له شيطانته -أي عمته- من أن إظهار الشدة للزوجة من حسن السياسة، ومن فضل العقل. وكانت تنتظره حتى يجئ فلا يشكرها ولكنه يلومها ويستقبح عملها، وإن هو أطال السهرة ليلة فغلبها النوم جاءته الشيطانة -أي العمة- فقالت: أرأيت كيف تهملك ولا تبالي بك؟ ولا تنتظرك كما تنتظر الزوجات رجالهن؟ فزادت نقمته عليها.