فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 11

وأم الزوج: وهي امرأة بخيلة شحيحة العين، مقبوضة الكف، ربها الدينار، ودينها جمع المال، ودستورها ادِّخار الدِّرْهم الأبيض لليوم الأسود، ثم إنها تظن أن الأرض كفت عن الدوران، وأنه قد وقف الزمان، وأن سنة 1920م بعاداتها وأزيائها يمكن أن تجئ في سنة 1947م - سنة وقعت هذه الواقعة - فإذا هي لم تجئ معها، أفرغت غيظها على بنات هذا الجيل الجديد، وترحمت على جيلها وزمانها.

والرابع أبو الزوج: وهو رجل شديد الأسر، سليط اللسان، قوي الساعد، ولكنه إذا قابل امرأته كلَّ لسانه، ولان ساعده، ولم يكن له مع رأيها رأي، ولا مع سلطانها سلطان.

وعملوا بدستور المرأة وادخروا، وكثرت في أيديهم الدراهم البيض، والدنانير الصفر، والأوراق الملونة المنقوشة، ودفاتر الصكوك - الشيكات - وأسناد العمارات، فاحتفظوا بها كلها، خوفًا من اليوم الأسود.

ولم يأتِ اليوم الأسود ولكنهم جعلوا أيامهم كلها من خوفهم سوداء، كمن كان عنده الطعام الكثير فخاف أن يأكل فينفد فيجوع بعده، فجوَّع نفسه العمر كله، خوفًا من أن يجوع يومًا واحدًا.

وكانت في بيت أبيها تجد الطعام أمامها، من الخبز إلى أفخر الحلوى، ومن الفاكهة إلى النقل والسكاكر، وكان أبوها إذا وجد منها ومن إخوتها عزوفًا عن الطعام، جعل لهم على الأكل جُعْلًا، أي مكافأة ليرغبهم فيه.

فلما جاءت بيت زوجها وجدت إقلالًا من كل شيء، إن جاؤوا يومًا بعلبة حلوى، حفظوها في الخزانة، وأقفلوا عليها كأنما هي علبة جوهر، وإن هم وضعوها بين أيدي الضيوف وضعوا عيونهم عليها، وقلوبهم معها، لا يمدون أيديهم إليها، لعل الضيف تقصر يده عنها.

وكانت قطع اللحم في بيت أبيها أكثر من حبات الفاصوليا مثلًا، فوجدت اللحم عندهم أخفى من نجم السُّها فهو لا يرى إلا بالمجهر الكهربي (الإلكتروني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت