ومرت الأيام وكانت الأم تجد أُنسها ببنتها، جعلتها هي حظها من دنياها، وقنعت بها، ووقفت نفسها عليها، وبلغت البنت التاسعة فجاء الأب يطلبها.
وكان قد تزوج من بعدها وزرق بولدين، فتجددت للأم المسكينة أحزانها كلها، وعادت مأساتها التي حسبتها قد طواها النسيان، وأصبحت تشعر بأن فراق روحها أهون عليها من فراق ابنتها.
لقد جعلت هذه البنت دنياها، فماذا يبقى لها إن فقدتها؟ وصارت لا تستطيع فراقها لحظة، وكلما رأتها ضمتها إليها، وبكت البنت بين ساعديها وبكى كل من رآهما، وجاء يوم المحاكمة وصدر الحكم بتسليم البنت إلى أبيها.
أخذ الأب البنت، وأراد أهله مبالغة في الكيد والانتقام، أن يخرجوا إلى النزهة ليفرحوا في يوم مأساة الأم، ويضحكوا في يوم بكائها، وكانت له سيارة اشتراها على معارضة من أبيه فأخذ أباه وأمه وعمته وزوجته الجديدة وبنته الأولى التي أخذها من أمها وسافر إلى لبنان.
وكان حديثهم طول الطريق عن الزوجة الأولى (أم البنت) والسخرية بها، والبنت المسكينة تسمع، لا يدركهم خوف الله فيكفوا عن غيبة الغائبة، وظلم البرئية، ولا رحمة الإنسان فيرعوا عواطف هذه الطفلة التي انتزعوها من أمها، وبلغ بهم الكبر والجبروت الغاية، فكان من فرحه بظفره يسابق السيارات، فكلما رأى سيارة أمامه أسرع حتى يسبقها، فرأى ذلك الصهريج، فقالوا له: قف حتى يمر، قال: لا، إني أسبقه إلى المنعطف، وقد صارت لي خبرة للخلاص من المآزق، أما تخلصت من تلك المرأة فأخرجتها يدًا من الوراء ويدًا من الأمام، بلا مال ولا جهاز، ثم انتزعت منها ابنتها؟ وقهقه ضاحكًا، وكان قد صار بجنب الصهريج، ووقعت المأساة.