وقد كنت أظنهم بما يحملون من مناصب دينية عالية أهل حجة وأصحاب عقل ونظر ..
لكنني فوجئت بهم يفرون من الميدان مخافة أن ينكشف ما هم عليه من جهل وصغار ..
وإني لأعلم أنهم يأكلون السحت ..
ويجعلون رزقهم أنهم يكذبون ..
ألا ساء ما يزرون ..
قال له صاحباه:
أو لم يكف ما لقيته من دعوتك الناس إلى الرشاد، فجئت تخطب فينا ..
قم الآن يا رجل إلى كتبك فأقدامك لم تثبت بعد على الطريق ..
وعليك أن توفر ما بقي من مراحل في الحصول على الإجازة العلمية ..
ومن ثم الوظيفة التي ستقيم أودك ..
وكان ما نصحوه به ..
فانقطع لدروسه بضعة أشهر كد فيها واجتهد ..
حتى تخرج طبيبًا يمارس المهنة الإنسانية ..
ونظر الطبيب الشاب من حوله باحثًا عن مجتمع يعوضه عن أسرته التي لم تهتد ..
فإذا النصارى يحوطونه بنظرات الحقد والمرارة ..
وإذا المسلمون يترقبونه في حيطة وحذر ..
فرغب في البعد عن الناس طلبًا للهدوء ..
ومزيد من الاطلاع،
فلم يجد خيرًا من أن تكون خدمته الوظيفية ..
في السجون ..
بدأ الطبيب الشاب عبده حياته الوظيفية عام 1905 ..
طبيبًا لبعض السجون بمديرية الجيزة ..
فتهيأ له بذلك البعد عن المجتمعات من جهة ..
وقربه من القاهرة من جهة أخرى ..
كان يقضي ساعات العمل في مكتبة من مكتبات السجن ..
وكانت له دار ملحقة بالمبنى ذاته ..
وحول هذه الدار حديقة صغيرة ..
وعاش حياته بين السجناء متعايشًا معهم ..
لكنه كان في وحشة شديدة في دخيلة نفسه ..
وأشار إلى زميله صدقي أنه يريد أن يستقر في دار وأسرة ..
فإن رزقه الله بزوجة صالحة ..
فإن حديقة السجن ستكون في تقديره جنة نعيم ..
وقد ذكر لصاحبه مواصفات معينة يريدها في زوجته ..
أخلف صاحباه شروطه ظنًا منهم أن موضوع الزواج سيستمر ..
عند اختيارهم لزوجة له ليست على ما اشترط ..
فلما رآها نفر منها جدًا ..
وكان قد أعلن حفل الزواج بعد أيام قليلة ..
هذا الحدث أحدث ردة فعل شديدة جدًا على أهل خطيبته ..