المقصود أن الخليفة قوم يخلف بعضهم بعضًا؛ بأن آدم عليه السلام لم يقع منه إفساد في الأرض أو سفك للدماء؛ فكيف يكون هو المتبادر إلى الفهم من معنى الخليفة مع قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ؛ فدل ذلك على أن المقصود بعض ذريته، ولذا كان الاستدلال بهذه الآية على وجوب نصب خليفة فيه نظر، وإن كانت المسألة مجمعًا عليها، ولا نزاع فيها بين أهل العلم، لكن من أدلة أخرى: كتابًا وسنةً وإجماعًا وقياسًا؛ فإن الملائكة لما فهمت من جعل الخليفة وجود من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، لم يحسن أن يكون المقصود بالخليفة الذي يحكم بين الناس بالعدل، ويقيم فيهم الشرع لأن هنا معنى ظاهر الحكمة لا يحتاج إلى سؤال، وإنما الذي يحتاج إلى السؤال عنه الحكمة الخفية في خلق من يفسد فيها ويسفك الدماء، والله أعلم. وإن كنا نذكر ما ذكره القرطبي -رحمه الله- في أمر الخليفة لفائدته وإن كنا نرجح عدم تعلقه بالآية؛ قال ابن كثير -رحمه الله-: «و قد استدل القرطبي بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة، التي لا تمكن إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر أو بالإيماء كما يقول آخرون منهم (1) ، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو يتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع (2) ، أو يقهر أحد الناس على طاعته لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف (3) . وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف: فمنهم من قال لا يشترط، وقيل: بلى يكفي شاهدان وقال الجبائي يجب أربعة وعاقد ومعقود له كما ترك عمر -رضي الله عنه- الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان بن عفان واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين وفي هذا نظر (1) ، ويجب أن يكون ذكرًا