فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 102

واصطفائك عنده، وهلا فهمت حقيقة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 65] فالكل قد أمر بعبادة الله والكفرة والظلمة والطغاة ما خلقوا كذلك إلا لعبادته ليؤمروا هم بها فلا يعملون بها ولتعبد أنت ربك بمخالفتهم ومجاهدتهم، والصبر على أذاهم، فهم شرعًا مأمورون بالعبادة، أمّا كونًا: فقد خلقوا لتتحقق عبودية غيرهم ـ وهم أهل الإيمان ـ الذين مَنَّ الله عليهم بهذا الشرف خلق أعداءهم من أجلهم؛ من أجل أن يحبوه ويروا نعمته، ويشاهدوا منته ويحمدوه من كل قلوبهم، ويشكروه بألسنتهم وجوارحهم، ويحبوا فيه ولأجله، ويبغضوا فيه ولأجله، ثم هو سبحانه يجمع لهم خير الدنيا والآخرة فيحييهم في الدنيا الحياة الطيبة ـ رغم الآلام ـ ويذيقهم حلاوة الإيمان وعطيته أعظم العطايا ـ رغم الحرمان ـ ثم يؤويهم ويؤيدهم بنصره، ويرزقهم من الطيبات لعلهم يشكرون، ويستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونه لا يشركون به شيئًا، ومَن مات منهم قبل ذلك أسكن روحه الجنان، وهداه وأصلح باله وجعل له الذكر الحسن، ولسان الصدق، ورزقه رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأما يوم القيامة فيرزقهم جنته ورضوانه ولذة النظر إلى وجهه، وسماع كلامه وسلامه، وينصرهم على رءوس الأشهاد ويعلي قدرهم فوق العباد، فسبحان العزيز الحكيم الرءوف الرحيم عالم غيب السماوات والأرض، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له النعمة والفضل والثناء الحسن لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه. وأما معنى الخليفة في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} فهو كما رجحه ابن كثير -رحمه الله-: أنهم أقوام يخلف بعضهم بعضًا، وليس أنه خليفة الله سبحانه؛ فإن الملك لله في الأرض ثابت: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 107] ، وكما في الحديث الصحيح: «ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن» ، وإنما يقال: خليفة فلان. لمن مات، أو غاب، أو ذهب ملكه، وما سمي أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد وفاته صلي الله عليه وسلم، ولم يثبت في كتاب ولا سنة ولا قول صاحب أنهم قالوا عن آدم أو ذريته أنهم خلفاء الله سبحانه وتعالى، وقد أحسن ابن كثير الاستدلال على ما ذهب إليه من أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت