فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 102

وهذه العبودية الخاصة لما قاموا بها بين من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؛ فخاصموهم بالله، وحاكموهم إليه، وآمنوا به وتوكلوا عليه، وأسلموا له وأنابوا إليه رغم ما في نفوسهم من نوازع الشر ودوافع الرغبات ووساوس الشياطين، فدافعوا كل ذلك للهِ عزَّ وجلّ، وبذلوا وضحوا وتركوا ما يهوون ويحبون لحبهم لله عز وجل، وهذا الذي امتازوا به عن عبودية الملائكة عليهم السلام، فالملائكة كل ما حولهم ومَن حولهم يعبد الله ويذكر به وقد ركب الله خلقهم وقوتهم على إرادة ما يحبه دون إرادة ما يسخطه، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. والسماوات والأرض والجبال أبت أن تحمل أمانة التكليف والأمر والنهي وأشفقت منها وأتت طائعة لله مسخرة بغير امتحان وابتلاء، والله رضي منهم بذلك، ولكنه يحب عبودية أخرى هي عنده أكمل ولديه أحب وهي العبودية في وسط المنازعة والمخاصمة، ومن أجل ذلك قدر سبحانه ما يكرهه من سفك الدماء والإفساد في الأرض: بالشرك والقطيعة والفسوق والعصيان، وأنواع المخالفات التي يسخطها، ويسخط على مَن يفعلها، لكنه عز وجل يعلم أنه يوجد من النوع الإنساني الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ـ وهم أولياؤه عز وجل، وهم خلاصة النوع الإنساني ـ من أجل عبادتهم له، وصبرهم على مَن خالفهم، وبذلهم مهجهم وأموالهم وأهليهم وأوطانهم في سبيله، وإيثارًا لمرضاته ومحبته، من أجل أن يرى عز وجل منهم ما يحب خلق مَن يكره، وأضل مَن هان عليه ليبتلي أولياءه بهم وسلطهم على ظلمهم وبغيهم، وعلى الإفساد وسفك الدماء، مع قدرته عز وجل أن يخلق من لا يعصيه طرفة عين، ويسبح بحمده ويقدس له بالليل والنهار لا يفترون. فيا أيها الإنسان الذي اصطفاك الله بالإيمان وخصك بتوفيقه، وخلق غيرك من أجل عبوديتك هلا أدركت قيمتك وعلمت منزلتك وعلمت أن ما تكرهه من ثقل التكاليف وألم الابتلاءات إنما هو الشيء الذي اختصك الله به من بين سائر عباده؛ لكي تظهر من عبادته ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه، والصبر والرضا واليقين بلقائه، والثبات على الصراط المستقيم رغم كل العقبات والمعوقات والموانع، وكل ذلك من عظيم امتنانه عليك، وخصوصية اجتبائك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت