دليل على عودته بوجه من الوجوه فالصحيح إذًا قول جماهير أهل العلم من أن الجنة التي أسكنها آدم وزوجه هي جنة الخلد التي في السماء. الوجه الخامس: قوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا} ، والرغد الهنيء الواسع الطيب، وجعل الأمر إلى مشيئتهما أيضًا؛ من أنواع التكريم والرأفة والرحمة، وأحل الله لهما كل شيء في الجنة، ولم يحرم عليهما إلا شجرة واحدة، وهذا كله دال على سعة فضل الله ورحمته وتكريمه للإنسان، والمرء إذا تفكر في كل هذا شعر بالشرف والكرامة فاللهم لك الحمد أن جعلتنا أبناء لآدم عليه السلام، الذي نال كل هذا التكريم، فعلى العاقل أن يراعى كل هذا التكريم، ويحفظ نفسه ولا يهينها بمعصية الله ومخالفته والله المستعان. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} ، نهى الله عز وجل آدم وزوجه عن هذه الشجرة بعينها لم يبين لنا سبحانه نوعها ولا جنسها ولا فائدة في تعيين ذلك والاختلاف فيه كما قال ابن جرير -رحمه الله- والصواب في ذلك أن يقال إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله تعالى لم يوضح لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل كانت شجرة البُر، وقيل كانت شجرة العنب، وقيل كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها وذلك علم إذا علم لم ينتفع العالم به وإن جهله جاهل لم يضره جهله به. والله أعلم) ا. هـ. وقد رجح هذا أيضًا الرازي وابن كثير -رحمهما الله-، وأما ما عند أهل الكتاب في كتاب العهد القديم أنها شجرة المعرفة وأن الله قد أهبطه من الجنة لأنه صار كما زعموا (كواحد منا يعرف الخير والشر) ، وأنه سبحانه وتعالى عن قولهم خشي أن يأكل من شجرة الخلد فيخلد كالإله فوضع عليها سيفًا ولهيبًا لحمايتها وأهبط آدم وزوجه وإبليس إلى الأرض، فهذا من ضلالات أهل الكتاب وترهاتهم وأباطيلهم عن الله عز وجل، وهذا يخالف ظاهر القرآن في أن تعليم آدم الأسماء كلها ومن ذلك أسماء الأفعال التي فيها الخير والشر سابق على أكله من الشجرة، ثم فيها من وصف الرب سبحانه بما لا يجوز من أن الذي وقع من أكل الشجرة وما تبعه من معرفة الخير