فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 102

والشر بزعمهم وقع بغير إرادته سبحانه وكذا وصفه عز وجل بالخوف من أن يأكل آدم من شجرة الخلد فيخلد كل هذا من وصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوقون كما وصفوا المخلوق ـ وهو آدم عليه السلام ـ بأنه صار كالإله يعرف الخير والشر، تعالى الله أن يشبهه أحد من خلقه أو يشبه هو أحدًا من خلقه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، ولكن اليهود مولعون بالتشبيه والتمثيل والتحريف في كتبهم قد ملئوها بأنواع التمثيل والإلحاد في أسماء الله وصفاته ومحدودية علمه وقدرته سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. وفي إباحة كل أشجار الجنة وتحريم شجرة واحدة يغني عنها غيرها بيان لسعة رحمة الله فيما شرع لعباده، وهذه النسبة بين الحلال الواسع وبين الحرام الضيق القليل بحمد الله لم تزل باقية في شريعة الإسلام فالأصل في الأشياء الحل، والحرام استثناء قليل لما فيه من الخبث والضرر: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية:13] ، قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] ، ومن تأمل تشريعات الإسلام في أنواع المحرمات من الأطعمة والأشربة واللباس والبيوع والمعاملات لوجد الحلال هو الأكثر الأعم والحرام هو الاستثناء الأقل، ومع ذلك فأكثر الأرض قد عمها الحرام وانتشر فيها، وقد ضيق الناس على أنفسهم أبواب الحلال حتى لا يكاد الحلال الذي لا شبهة فيه في زماننا يدرك إلا بشق الأنفس وما هذا إلا لشقوتهم وتعاستهم فإن الرزق يطلب الإنسان كما يطلبه أجله ففي الحديث الحسن قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها فاتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل لكم ودعوا ما حرم» ، فطلب الحرام لا يزيد في الرزق بل ينال العبد ما كتب الله شقيًا ظالمًا بدلًا من أن ينال بدله من الحلال سعيدًا محمودًا مرضيًا عنه، والله قد جعل من كل شيء حرمه مندوحة في الطعام والشراب والمكاسب والفروج والمعاملات والأخلاق، ولكن جهل الإنسان وظُلمه إذ لم يلتزم بالشرع هو الذي يدفعه إلى طلب الحرام ومواقعته؛ فاللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت