فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 102

كذلك، بل بين الله سبحانه أن إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، فهو كان يعلم أن الأمر كان شاملًا له مع الملائكة لأن العبرة بالصفات والأعمال لا بمجرد عنصر الخلقة، كما أنه صار من الكافرين لما أبى واستكبر وطرد ولعن وأبعد عن المنزلة التي كان فيها، كما أن من تبعه من بني آدم ـ رغم أنهم من الطين خلقوا وأنهم أبناء أبيهم آدم الذي أسجد الله له الملائكة، وكرمه بأنواع التكريم ـ لكن لما اتبعوا إبليس، وتشبهوا به في صفاته صاروا شياطين، وعبادًا للشياطين فاستحقوا مآل الشياطين وأحكامهم. وهذا الموضوع من أعظم ما يبين حقيقة الإيمان وأنه لا يكفي فيه المعرفة والتصديق حتى مع الإقرار الظاهر بل لابد أن يكون معه الانقياد والإذعان والخضوع لأمر الله سبحانه فإن إبليس لم يكذب بالأمر لا ظاهرًا ولا باطنًا بل قال فيما قال مقرًا بأمر الله: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء: 62] ومع ذلك فقد كفر بتركه الانقياد والخضوع القلبي لأمر الله، ولم تزل معرفته لأمر الله له بل ظل عالمًا به كما دلت عليه الآيات والأحاديث، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله ـ وفي رواية: يا ويلي ـ أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» وهو نص في بقاء معرفته بعد كفره أنه أمر بالسجود. والإباء رد الأمر، وليس مجرد الترك الظاهر فإن آدم عليه السلام ترك امتثال الأمر الظاهر، ولكن بقي معه الانقياد الباطن فكانت معصية تاب الله عليه منها، ولم تكن كفرًا وأما إبليس فلما كان تركه إباء وهو مناف للانقياد القلبي؛ وهو أصل الإسلام لله وهو الاستسلام لأمره وقبوله كان كفرًا وكذا كان تركه للسجود استكبارًا وهو مناف للخضوع والذل فانتفى أصل العبادة من قلبه فصار بذلك كافرًا والعياذ بالله. وهكذا كل من رد شيئًا من أوامر الله ولو كان أمرًا واحدَا سبقه قبل ذلك سنوات طويلة من العبادة؛ فهو كافر كفر إبليس والعياذ بالله، وكذا التكبر والتعالي على أمر الله سبحانه، أما ما كان من التكبر على عباد الله فهو محرم من الكبائر لكن إذا لم يقترن بالتكبر على أمر الله لم يكن كفرًا ولكنه والعياذ بالله ذريعة إليه، وسبب قد يؤدي بالعبد إلى الكفر، ومقدار ذرة منه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت