فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 102

يثير في نفس الإنسان مشاعر الحب لله سبحانه والشعور بالمنة له سبحانه ما يسوق العبد شوقًا إلى ربه وإلهه ومعبوده؛ الذي لا فلاح له ولا صلاح إلا بالتوجه إليه والميل إليه دون من سواه والله المستعان. وهذا السجود لآدم كان سجود تكريم له وعبادة لله عز وجل، إذ هو امتثال أمره سبحانه ولم يكن عبادة لآدم كما ظنه الزنادقة الذين التمسوا لإبليس العذر، وزعموا أنه الموحد لأنه أبى السجود لغير الله، وهذا هو الكفر الصراح والمعاندة والمشاقة والتكذيب لأمر الله وخبره سبحانه تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وإنما هم في الكبر على طريقة أستاذهم إبليس، ومثله في انعدام الفهم وتقديم العقل الفاسد على الوحي الصادق فكان السجود لآدم ابتلاء في التواضع لأمر الله والانقياد والتسليم لحكمه وأمره والتفويض لقسمه واختصاصه من شاء بالفضل، فشل في الامتحان إبليس وفتن في هذا البلاء، وظهر المستكن في قلبه من الكفر ـ كفر الإباء والاستكبار على الله عز وجل، وقد دخل إبليس قطعًا في هذا الأمر بالسجود للملائكة رغم أنه لم يكن مادة خلقه من مادة خلقهم، بل هو من الجن بنص القرآن، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50] ، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» . متفق عليه. وهذا ظاهر في رد قول من قال إن إبليس كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن، فمادة خلق الجن غير مادة خلق الملائكة والملائكة فطرت على إرادة الخير والقوة في العبادة دون إرادة الشر، وإبليس ركبت فيه إرادة الشر، وكان قبل ذلك مريدًا فاعلًا للخير وإنما صار كواحد من الملائكة لما عمل أعمالهم وتعبد بعبادتهم كما قال ابن كثير -رحمه الله-: «إن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم لأنه لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم وذم في مخالفة الأمر» . ا هـ. ولهذا لم يرد في أي موضع مع تكرار القصة في القرآن أن إبليس احتج بأن الأمر ليس له لأنه ليس من الملائكة؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن كافرًا؛ لأنه تأول الأمر وأخطأ الفهم وليس الأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت