قوله تعالى: {أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] عن ابن عباس قال: «يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار» ، وعن ابن مسعود نحوه، وكذا قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري وهو الظاهر، وأما قول من قال أن الذي كتموه هو قولهم لن يخلق الله خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم، فلم يثبت هذا القول عنهم من طريق صحيح حتى تفسر به الآية والله أعلم، قال ابن جرير رحمه الله وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس وهو أن معنى قوله تعالى: {أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} وأعلم مع علمي غيب السماوات والأرض وما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم، فلا يخفى علىَّ أي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] والذي كانوا يكتمون ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره والتكبر عن طاعته. قال: وصح ذلك؛ كما تقول العرب قتل الجيش وهزموا وإنما قتل الواحد أو البعض وهزم الواحد أو البعض؛ فيخرج خبر المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ} [الحجرات: 4] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم وكذلك قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] . ا. هـ. قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .هذا من أعظم التكريم والتشريف للنوع الإنساني ـ لأهل الإيمان منهم ـ في شخص أبيهم آدم عليه السلام، وقد كانوا في صلبه حين أسجد الله له ملائكته، وإنما خص المؤمنون لأن الكفار منهم لحقوا بالشياطين وصاروا تبعًا لإبليس والعياذ بالله، وفيه بيان لمنزلة النوع الإنساني وما هيأه الله من الإكرام والإعزاز وما اختصه به من الفضائل فقد خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وكلمه قبلًا، وعلمه أسماء كل شيء وأعد له الجنة وأعده لها، كل هذا مما