فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 102

وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} مفزع لكل مؤمن يرى فيه الأرض من أنواع الفساد والشر ما قد يضيق به صدره، ويؤلم قلبه، فلا بد أن يستحضر أن الخير كله في يدي الله سبحانه، وأن الشر ليس إليه ليس من صفاته ولا من أفعاله وإنما في مخلوقاته شر نسبي: أي من بعض الجهات لمن فعله ورضي به ليس من كل جهة، بل فيه خير ويترتب عليه الخير من جهات عديدة الله يعلمها، ونحن لا نعلم ولا نطلع على الغيب، فلنفوض الأمر إلى الله، ولنسلم لأمره ونتوكل عليه سبحانه في فعل ما يحبه ودفع ما يكرهه سبحانه. وفي قوله عن الملائكة عليهم السلام: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} حسن تنزيه الرب عز وجل في كمال علمه وحكمته أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما علمه، فهو الذي يُعَلِّم من يشاء ما يشاء، وهو سبحانه وحده العليم بالحقيقة وعلم كل خلقه بالنسبة إلى علمه جهل وهو الحكيم بالحقيقة، فسبحانه وتعالى أن يفعل شيئًا لغير حكمة محمودة يستحق عليها الحمد، وسبحانه وتعالى أن يضع شيئًا في غير موضعه أو أن يخص من لا يستحق الاختصاص أو أن يفضل من لا ينبغي أن يفضل وسبحانه وتعالى أن يفعل شيئًا بغير إحكام وإتقان، بل صنعه أتقن الصنع، وخلقه أحسن الخلق، وهو العليم الحكيم. وقارن بين قول الملائكة: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} وقول أعلم الخلق بالله محمد صلي الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني» ، وقول الخضر لموسى: «وما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم اللَّهِ إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر» متفق عليه. قارن بين هذا كله وبين غرور جهلة البشر في إعجابهم بأنفسهم وعلمهم، وأنهم وصلوا إلى مرحلة الاستغناء عن القوة الإلهية؛ كما يقول بعض فلاسفتهم عن عصر العلم: «أنه عصر موت الإله، ومولد السوبر مان» ، وأن حضارتهم هي الحضارة التي لا تشيخ ولا تزول؛ لأنها قائمة على العلم والتكنولوجيا، التي ما وصلت إليها البشرية من قبل، وألف مؤلفوهم وأدباؤهم القصص التي تتضمن هذا الكفر؛ كتلك التي نال عليها الكاتب العربي جائزة نوبل في الأدب؛ لأنه يخبر بانتصار العلم على الدين، وأن «عرفة» في قصته ـ الذي يرمز إلى المعرفة الحديثة والعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت