الحديث ـ قد قتل (الجبلاوي) ـ الذي جعله رمزًا للإله ـ تعالى الله عن كفرهم وشركهم علوًا كبيرًا ـ هذا فضلًا عن الاستهزاء بالأنبياء وعلومهم وسيرتهم. والعجب أن هذا دائمًا يصدر ممن لا يتقن فرعًا واحدًا من فروع العلم البشري إذ كل من أتقن منه شيئًا أيقن يقينًا جازمًا أن ما يجهله الإنسان أضعاف أضعاف ما يعلمه، فمن عرف مثلًا علم الطب ـ على تقدمه ـ يوقن أن الإنسان مازال يبحث في قشرة صغيرة وراءها أعماق بعيدة لا يحسن الإنسان ولا يدرك عنها شيئًا وكذلك من أتقن علم الفلك علم أن ما يعلمه الإنسان ـ رغم كثرته بالنسبة لما مضى ـ لا يساوي شيئًا في الحقيقة بالنسبة إلى مازال غامضًا لا يعرف الإنسان عنه إلا الخرص والتخمين والنظريات والاحتمالات، وكم تحدى هؤلاء الجهلة الكفار ربهم عز وجل ويأتيهم الرد في قمة ما تحدوا به فها هو مكوك الفضاء الأمريكي المسمى «تشالنجر» (1) الذي انفجر قبل دقائق من هبوطه إلى الأرض ولا يدرون السبب، وتنتهي أبحاثهم بمجرد الاحتمالات والتخمين، فهلا أدرك الإنسان ظلمه وجهله، وهلا اتعظ الأذناب الذين يطبلون لسادتهم طبول حربهم مع الله وعلى دينه وتوقفوا عن سخافات عقولهم وزبالة أذهانهم العاجزة الجاهلة، وأيقنوا بأنه لا علم للبشر ولا لغيرهم إلا ما علمهم الله، ولو تأمل المتأمل أكثر اكتشافات البشر واختراعاتهم لوجدها وقعت بغير قصد منهم، بل بطريق المصادفة التي حقيقتها التوفيق والإلهام، وإلا فقد بقيت البشرية آلاف السنين لا تعرف الكهرباء، ولا الذرة، ولا وسائل الاتصال فما هي الطفرة التي غيرت عقل الإنسان وعلم بها خلال أقل من مئة سنة ما لم يعلمه عبر عشرات الآلاف من السنين؟ والله ما وقعت طفرة ولا شيء، وإنما هو ابتلاء الله للبشر أن علَّمهم ما ظنوا به أنهم علماء؛ فانقادوا لهذا الوهم، وردوا على الله أمره وشرعه ونازعوه صفته فكان جزاؤهم الشقاء الدائم، والجهل الفظيع بأهم شيء لديهم وهو كيف يحيون الحياة الطيبة؟ فصاروا أشقى خلق الله رغم الإمكانيات العلمية والتقدم التقني في أكثر مجالات الحياة؛ فصاروا كما قال الله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 6، 7] اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع.