الآدميين أمثاله وهو لا يستطيع العيش منفردا، ولا يمكنه القيام بكل ما يحتاج إليه من الشئون إلا بالمساعدة والمعونة من الآخرين، وهذه علاقات متشابكة ومصالح متداخلة بين الناس بما تحتمله من توافق الآراء والطباع أو تخالفها، وحينئذ فإن حياتهم لا تستقيم إلا بوجود نظام يشمل كل العلاقات المتشابكة والمصالح المتداخلة يقيمها ويديرها على أساس من العدل.
وإدارة العلاقات المتشابكة بين الناس وجلب المصالح ودفع المفاسد في جميع المجالات بما يمكن أن يحقق تطلعات الجميع مع المحافظة على الصلاح والعدالة هو ما يمكن أن يطلق عليه سياسة، والسياسة بهذا الفهم مجالها واسع يمتد ليشمل مجالات الحياة كلها، فهي ليست محصورة في أفعال يقوم بها الحاكم كما سبق ذكره، وإنما تتعداها إلى الأنظمة والترتيبات التي يضعها أهل الحل والعقد محققة لتلك الأهداف، وهي أيضا ليست مساوية لنظام الحكم كما يعرفها القانونيون والكاتبون في مجال السياسة الوضعية، فنظام الحكم أو النظام السياسي ليس إلا جزءا من السياسة بمعناها الواسع الذي يشمل أمور الحياة كلها من سياسة (بمعناها الضيق) واقتصاد ومعاملات وقضاء، وعلاقات دولية ونحو ذلك، وفيما نظن أنه تعريف أكثر شمولا للسياسة الشرعية نقول: إنها قيادة وإدارة المجتمع في جميع النواحي الداخلية والخارجية وأمور الدين والدنيا لجلب المصالح ودفع المفاسد المتعلقة بالفرد أو المجموع، بالعدل والحق، رغبا ورهبا، لتحقيق الغاية التي خلق الإنسان من أجلها بما يوافق كليات الشريعة وجزئياتها ولا يتعارض معها، إضافة إلى النظم والترتيبات التي يمكن بها تحقيق ما تقدم، ولعلنا نلحظ هذا الشمول في تعريف السياسة الشرعية من تعريف أبي البقاء الكفوي لها في كلياته، حيث قال:"السياسة هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل، وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم، ومن السلاطين والملوك على كل منهم في ظاهرهم لا غير، ومن العلماء ورثة الأنبياء على الخاصة في باطنهم لا غير" [1] .
(1) الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي1/ 808