والاتجاه الثاني: اتجاه يضيق مجال السياسة ويحصرها في باب الجنايات أو العقوبات المغلظة، وقد تجعل أحيانًا مرادفة للتعزير، وهذا الاتجاه غالب على الفقه الحنفي في نظرته للسياسة، قال علاء الدين الطرابلسي الحنفي: 'السياسة شرع مغلظ'.
وقد 'نقل العلامة ابن عابدين ـ الحنفي ـ عن كتب المذهب: أن السياسة تجوز في كل جناية والرأي فيها إلى الإمام، كقتل مبتدع يتوهم منه انتشار بدعته وإن لم يحكم بكفره .. ولذا عرفها بعضهم بأنها تغليط جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد، وقوله: لها حكم شرعي معناه أنها داخلة تحت قاعدة الشرع وإن لم ينص عليها بخصوصه .. ولذا قال في البحر: ظاهر كلامهم أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي'.
وقال بعض علماء الحنفية: 'والظاهر أن السياسة والتعزيز مترادفان، ولذا عطفوا أحدهما على الآخر لبيان التفسير كما وقع في الهداية والزيلعي وغيرهما'" [1] ."
ومراد الفقهاء هنا بالسياسة هو ما يطلق عليه السياسة الشرعية، والسياسة الحقة ليست في حاجة إلى هذا القيد لأن السياسة تعني الإصلاح والاستصلاح وذلك يكون على أقصى درجات الكمال حين التقيد بالشريعة، فلا تحتاج السياسة من المنظور الإسلامي لذلك التقييد، لكن لما وجد من الولاة من لا يفهم ذلك، وظن أن السياسة أن يفعل ما يراه جالبا لمصلحة أو يدرأ مفسدة من خلال تقديره الشخصي للموقف، احتيج لتقييد ذلك بالشريعة دفعا لذلك التوهم الفاسد
ولعلنا نلحظ أن جانبا من هذه التعريفات ركز أو اقتصر على جزء مما تعالجه السياسة الشرعية، سواء من حيث التصرف فقد حصرتها في الأفعال دون غيرها، أو من حيث القائم بها فقد حصرته في الحاكم دون غيره، لكن بالنظر إلى أن الإنسان عضو في مجتمع من
(1) مجلة البيان عدد 197 مقال السياسة الشرعية تعريف وتأصيل محمد بن شاكر الشريف