(محدود//معدود) ، ويُلحظ أن الجناسات كلها قد استقرت في موقع قارّ في القصيدة، وهو القافية، ويُعرف هذا بـ (جناس القوافي) ، فالموقع الخاص الذي يحتله جناس القوافي جعل الباحثين يديمون النظر في فاعليته و وظيفته في النص الشعري، لذا فان (جان كوهن) يثير السؤال الآتي: لماذا يقع الجناس في القافية، أهو لتأكيد نهاية السطر الشعري، أم لأنه مناسبٌ لإحداث صيغة عالية من التوازن الصوتي؟ [1] .
وقد يكون التوازي على الصعيد الأفقي بين المفردات ويفضي ذلك إلى تطابق دلالي شبه تام، وبرهان ذلك قوله:
أّمْ أذنه في يَدِي النّخَّاسِ داميةً ... أَمْ قَدْرُهُ وهو بالْفَلْسَيْنِ مَرْدودُ
إن بداية الصدر تتماثل صوتيًا وصرفيًا مع بداية العجز، ممّا يؤثر في مستوى العمق ويخلق تناظرًا دلاليًا بين الأذن والقدر، إذ يحيلان إلى مدلول واحد في البنية التحتية.
ومن وجوه التوازي في القصيدة ظاهرة التكرار، سواءً كان التكرارُ على صعيد الفونيمات أم على صعيد الدوال، والتكرار إذا جاء في سياقه الخاص فانه يضفي على النص الشعري طابعًا موسيقيًا متميزًا ويرفده بطاقات إيحائية هائلة، حيث أن"الأصوات و توافقاتها والكثافة والاستمرار والتكرار يتضمن طاقة تعبيرية فذة" [2] .
فمن تكرار الفونيمات على نحو لافت للنظر قوله:
عيدٌ بِأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ... بما مَضَى أم بِأَمرٍ فيكَ تَجْديدُ
كرّر الشاعرُ صوت الياء ـ الطويل والقصير ـ عشر مرات، ولعلّ مردّ ذلك التردد الملحوظ إلى أنّ الياء بدلالتها على"الانفعال المؤثر في البواطن" [3] توحي بصورة النفس الحزينة حين تنكسر همًّا على نوائب الدهر ونوازل الزمان، وممّا يزيدُ في تصوير الذات المؤلمة تكراره لصوت الميم في الشطر الثاني أربع مرات، والميم حرف شفوي ينطبق الشفتان أثناء النطق بها، وفي الانطباق ضربٌ من الانغلاق والكبت، وهذا المعنى يتناسب مع سياق البيت القائم على الإفصاح عن نفسٍ كادت تبلغ حالة الاختناق والحشرجة جرّاء حزنها وتحسرها على ما آلت إليه الأمور، وهكذا يبدو أن الترجيع الداخلي للأصوات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحالة النفسية للشاعر.
ويردد المتنبي صوت (الألف) سبع مرات في قوله:
لولا العُلَى لم تَجُبْ بي ما أجوبُ بها ... وَجْنَاءُ حَرْفٌ ولا جرداءُ قَيْدُودُ
وربما يعود السبب في هذا التردد الواضح للألف ـ بجانب بعده الصوتي في تحقيق التناغم الموسيقي ـ إلى أنّ الألف بانطلاقها إلى العلو وامتدادها الزمني الطويل ـ لما فيه من حزم صوتية عالية ـ تسمح المجال للشاعر للتعبير عن الحزن العالق بنفسه وبثّ شكواه من قطيعةٍ دامت ردحًا طويلًا من
(1) اللغة العليا ـ النظرية الشعرية، جان كوهن، ترجمة: احمد درويش، المجلس الأعلى للثقافة، دمشق،1995: 119.
(2) علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، د. صلاح فضل، منشورات دار الآفاق الجديدة، ط1،1985: 25.
(3) خصائص الحروف العربية ومعانيها، حسن عباس، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998: 98.