يتجلى أول مظهر من مظاهر التوازي بوضوح في مطلع القصيدة من خلال لجوء المتنبي إلى التصريع: ...
عيدٌ بِأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ... بما مَضَى أم بِأَمرٍ فيكَ تَجْديدُ
لقد شكّل التصريع نغمة موسيقية متكررة، إذ تتماثل نهاية الصدر مع نهاية العجز في النغمة الصوتية، الأمر الذي يرفد الإيقاع النمطي بتماسك صوتي أشدّ، لأن"أهمية التصريع في قول الشعر هو الدخول بالسامع إلى الإطار الإيقاعي بما لا يدع له ترددًا في الانسجام مع البناء النمطي" [1] ، ولا تقتصر فاعلية التصريع هنا على إحداث التجاوب الصوتي فحسب، بل يمتد إلى البعد الدلالي الذي يرتبط بالتوازي ارتباطًا وثيقًا، وهذا يتمثل في العلاقة القائمة بين (عيدُ) و (تجديد) ، إذ أن العيد يبعث على تجديد الأفراح بين المحبين.
ويأخذ التوازي شكلًا آخر في البيت السابق، وهو التذييل الذي يقوم على"نوع من ترديد اللفظ خاص، يتمثل في استعمال اللفظ في صدارة البيت وتكراره في حشوه" [2] ، حيث رددّ الشاعرُ لفظ (عيد) مرتين، أحدهما في الصدارة، والآخر في الحشو، وقد أفاد التذييل بجانب تعزيز موسيقي البيت من خلال التماثل التأكيدَ على المرتكز النفسي القائم على التضجر من زمنٍ لا يعود على الشاعر بالتجديد والارتياح، بل يعود عليه بإثارة دواعي الحزن والأسى في نفسه.
ويُعدُّ التصدير (ردّ العجز على الصدر) من صور التوازي التي تحدث تناظرًا صوتيًا وتناسبًا إيقاعيًا بين الشطرين، ويظهر ذلك في قوله: ...
جُودُ الرَّجالِ من الأيدِي وَجُودهُمُ ... مِنَ اللِّسانِ فلا كانُوا ولا الجُودُ
إن التصدير لم يتم تشكيله هنا بالاعتماد على دالين مكّررين أحدهما متغير الموقع والآخر ثابت ـ كما هو المعهود ـ وإنما تشكل من ثلاثة دوال، أولها في صدر البيت، والثاني في حشوه، والثالث في قافيته، وهذا ما يجعل البنية الصوتية للبيت الشعري أكثر عمقًا، والبنية الدلالية أكثر إيحاءً بالمعاني، فالجودُ الأخيرُ لكونه مسبوقًا بالدعاء يغيب البعدَ الدلالي لجود اللسان الذي يتقابل مع جود الأيدي على مستوى العمق (جود الأيدي =الفعل //جود اللسان =القول) ، ومن ثمّ يبقى جود الرجال حاضرًا في السياق على مستوى السطح والعمق، إذ أن التصدير ذو وظيفة مزدوجة"فعلى مستوى السطح يؤدي مهمة صوتية نتيجةً لتردد الدال بعينه، إذ انه يحيل البيت إلى دائرة مغلقة بدايتها هي نهايتها ... وعلى مستوى العمق فان الدلالة تتلاحم تلاحمًا شديدًا" [3] .
وقد حفلت القصيدة بلونٍ آخر من ألوان التوازي الصوتي، وهو الجناس الذي يجمع بين التماثل الصوتي والتكثيف الدلالي، وتتجسد هذه الموازاة الموسيقية في أبيات متفرقة بين دوال عديدة هي (جِيد// بيد) ، (تسهيد//تمهيد) ، (مفقود//مفئود) ، (جود//عُود) ، (محسود// محمود) ، (مولود// موجود) ،
(1) في جدل الحداثة الشعرية ـ نموذج المفاصل، د. عبد السلام المسدي، مجلة الأقلام، العدد (1) ، السنة (21) ، 1986: 60.
(2) خصائص الأسلوب في الشوقيات:92.
(3) البلاغة العربية قراءة أخرى، د. محمد عبد المطلب، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط، 1997: 369.