وقد استخدم الشاعر اللون المزدوج (كميت) ـ وهو حمرةٌ يخالطها سواد ـ للدلالة على لون الخمرة التي لا يستطيبها إلا مع الحبيب، لذا يرتبط هذا اللون دلاليًا بالبعد الغيابي أو السلبي الذي أقام عليه المتنبي تعامله مع اللونين الأسود والأبيض.
إنّ توظيف (جمع التكسير) ووروده بكثرة في القصيدة يشكل ظاهرة أسلوبية تستحق الوقوف عندها، إذ وردت جموع التكسير بنسبة عالية يبلغ عددها ثلاثين صيغة (ثعالبها، العناقيد، أنجاس، مناكيد، الخصية السود، آباؤه البيض، اللئام، العبيد ... ) وجلّها ترتبط بالمعاني السلبية الرامية إلى التقليل من قدر المهجو و الحط من منزلته، والجمع بدوره يكثف الطاقة الأسلوبية للألفاظ، وكأن الشاعر يوحي إلى القاريء بأن الإخشيدي هو مجمع السيئات وملتقى الرذائل، ويلحظ أن الصيغة التي وردت عليها غالبية جموع التكسير هي صيغ الكثرة وصيغ منتهى الجموع، ممّا يؤدي إلى ازدياد مضامين الدوال وارتفاعها إلى ما لا يتصور، لأن هاتين الصيغتين يمتد مدلولهما العددي إلى مالا نهاية له بخلاف صيغ جمع القلة وجمعَيْ التصحيح [1] .
أما موقع توزيع الجموع فله إشاراته الدلالية والنفسية أيضًا، حيث استقرت غالبية الجموع ـ لاسيما تلك التي تدور حول الإخشيدي ـ في نهايات الأبيات، الأمر الذي يجعل الإخشيدي بصفاته السلبية نقطة ارتكاز أخيرة في القصيدة، بل يُنهي الشاعرُ قصيدته بالجمع (الخصية السود) الكاشف عن أقبح صفات الرجل، ذلك أنّ"الانتهاء هو قاعدة القصيدة وآخر ما تبقّى منها في الأسماع" [2]
* المستوى الصوتي:
تنتظم اللغة الشعرية في نسيج صوتي متميز يفوق اللغة الاعتيادية ويجعل النص زاخرًا بالإشارة الجمالية ومشحونًا بالدلالة الإيحائية التي لم تكن لتثار لولا هذا الاتساق الإيقاعي بين الوحدات اللغوية، ذلك ان"الشعر تشكيل خاص منقولٌ بموسيقى الإيقاع واللفظ، فهو يولد أولًا كإيقاع قبل أن ينتظم في جملٍ وتعابير" [3] ، والأسلوبية إذ تولي اهتمامًا خاصًا بتحليل الجانب الصوتي فإنها"تبرز خصوصية العمل الأدبي بوصفه وسيلة توصيل رمزية تثير معنى ادراكيًا من خلال التركيب الصوتي" [4] ، وهذا أمرٌ لا يتم الاّ من خلال تقصي الأثر الصوتي النابع عن الانتظام بين الأنساق المكوّنة للنص الشعري.
وقد أطلق الباحثون المحدثون على التوافقات الصوتية الداخلية مصطلح التوازي [5] ، وهو"عبارةٌ عن عنصر بنائي في الشعر يقوم على تكرار أجزاء متساوية" [6] ، ويهدف التوازي بجانب جماليته في النسق الأدائي ـ مقروءًا ومسموعًا ـ إلى ضمان دوام الرسالة الشعرية في الذاكرة [7] ، وإلى تحقيق مبدأ التناسب والانسجام فيها [8] .
(1) النحو الوافي، عباس حسن، انتشارات ناصر خسرو، طهران، ط6،1380ش:4/ 579،583.
(2) العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الجيل: 1/ 239.
(3) منهج النقد الصوتي في تحليل الخطاب الشعري:44.
(4) الأسلوبية الصوتية في النظرية والتطبيق:68.
(5) قضايا الشعرية، رومان ياكبسون، ترجمة: محمد الولي ومبارك حنون، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ... 1982: 47، ومدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع، فاضل ثامر، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1987:231، وبلاغة الخطاب وعلم النص، د. صلاح فضل، عالم المعرفة، آب، 1992:215.
(6) ظاهرة التوازي في قصيدة للخنساء، د. موسى ربابعة، مجلة دراسات العلوم الإنسانية، المجلد (22) ، العدد (5) ، 1995: 2030.
(7) بلاغة الخطاب وعلم النص:215.
(8) ظاهرة التوازي في قصيدة للخنساء:2031.