فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 335

وهكذا صارت القصيدة أو العبارة الشعرية، مجموعة من الأرابيسكات، واقتربت لغة الشعر من تجريدات الرياضة والموسيقى (21) ، وأصبح على قارئ الشعر أن يجد علاقات خيالية بعيدة بين جمل تتجاور في القصيدة بلا روابط أو تسلسل زمني أو سببي، وأصبح عمل الشاعر في قصيدة الحداثة هو"وضع شيء بجانب آخر"وأصبح للتجاوز هذا، تأثير مبدأ"هوبكنس"للقافية نفسه، الذي يقوم على المشابهة المتشابهة والمشابهة المتغايرة، والذي اعتمده ياكبسون في دراسته للشعر (22) . ويبدو أن قصيدة الحداثة العربية، بدأت ومنذ أواخر السبعينات بتدشين هذا الأسلوب وسأستشهد هنا بقصيدة (قصيدة الرمل) للشاعر محمود درويش وبعدد من قصائد النثر، وقد سبق أن ألمحنا إلى أن قصيدة النثر سبقت القصيدة الموزونة على هذا الطريق.

تتكون قصيدة محمود درويش من مقاطع عدة، يربط بين مقطع ومقطع جملة"البدايات أنا/ والنهايات أنا"ولا نجد بين الجمل أية روابط نحوية، بل توضع معظم هذه الجمل الواحدة بعد الأخرى بطريقة سريالية (23) .

"والرمل جسم الشجر الآتي"

غيوم تشبه البلدان

لون واحد للبحر والنوم

وللعشاق لون واحد..

وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري

سنرمي ألف نهر في مجاري الماء

والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا

سيد الأيام والنخلة أم اللغة الفصحى""

إن إلغاء الروابط النحوية وروابط المعنى بين هذه الجمل يحيل القصيدة إلى لوحة فنية تتجه فيها الأشياء بعيدة عن بعضها باتجاه الإطار... بحيث يصبح الإطار عنصرًا حاسمًا للتصميم.. (24) وهو ما سنتناوله في المبحث الأخير من هذه الدراسة. ويبدو أن قصيدة النثر التي كان لها قصب السبق في هذا المضمار، مازالت ماضية على هذا الطريق بخطى واسعة، وسأستشهد بمقاطع من قصائد تنتمي إلى الثمانينات والتسعينات التي ازدادت فيها واتسعت ظاهرة التجاور، ففي ديوان العاطل عن الوردة"لباسم المرعبي، الصادر في الثمانينات نقرأ ما يلي: (25) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت